حرية
تتجه المصافي الهندية إلى خفض مشترياتها من النفط الروسي، بعد أن وصلت وارداتها إلى مستويات مرتفعة خلال الأشهر الماضية، في ظل تراجع تدفقات الخام من موسكو نتيجة الاضطرابات التي تعرضت لها البنية النفطية الروسية والهجمات الأوكرانية.
وبحسب ما أوردته وكالة «بلومبرغ»، اليوم الأربعاء، تبحث شركات التكرير الهندية عن شحنات بديلة من مناطق تمتد من غرب أفريقيا إلى الأميركيتين، بالتزامن مع توجهها نحو موردي النفط في منطقة الخليج.
ويأتي هذا التحول رغم استمرار القيود والاضطرابات التي تؤثر في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ما يضع شركات التكرير الهندية أمام تحدي تأمين الإمدادات وتنويع مصادرها في سوق يشهد ضغوطاً جيوسياسية متزايدة.
زيادة التشغيل ترفع الحاجة إلى الخام
ويتزامن تغير أنماط الشراء لدى شركات التكرير الهندية مع توقعات بارتفاع الطلب المحلي، بعد انتهاء أعمال الصيانة في عدد من المصافي، ما يسمح برفع معدلات التشغيل وزيادة إنتاج المشتقات النفطية.
ويواجه سوق النفط العالمي اضطرابات متزامنة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات في الشرق الأوسط، الأمر الذي جعل أمن الإمدادات عاملاً أساسياً في قرارات كبار المستوردين.
وأصبحت روسيا المورد النفطي الأكبر للهند منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، مستفيدة من توجه نيودلهي إلى شراء الخام الروسي بأسعار تنافسية، فيما شكلت التدفقات الروسية الشهر الماضي أكثر من نصف واردات الهند النفطية.
ومن المتوقع أن تنخفض واردات الهند من الخام الروسي خلال الشهر الحالي إلى نحو مليوني برميل يومياً، مقارنة بنحو 2.8 مليون برميل يومياً في تموز الماضي، وفقاً لسوميت ريتوليا، كبير محللي النمذجة في شركة «كبلر» لتحليل البيانات.
وقال ريتوليا إن التراجع يعكس «عودة جزئية إلى المستويات الطبيعية بعد الزيادة الكبيرة في مشتريات الخام خلال الأشهر الماضية»، إلى جانب انخفاض الكميات المتاحة للتصدير من روسيا واشتداد المنافسة الصينية وأعمال الصيانة في المصافي.
ورجح أن تعود تدفقات النفط الروسي إلى الهند إلى مستوياتها المعتادة التي تتجاوز مليوني برميل يومياً خلال الأشهر المقبلة.
هل تخسر روسيا أكبر أسواقها الآسيوية؟
لا يبدو تراجع مشتريات الهند من النفط الروسي تحولاً استراتيجياً كاملاً في سياسة نيودلهي، بقدر ما يعكس إعادة ضبط مؤقتة لميزان الإمدادات. فالهند ما زالت بحاجة إلى النفط الروسي، وروسيا ما زالت بحاجة إلى السوق الهندية بوصفها أحد أهم منافذها التصديرية.
لكن التطورات الأخيرة تكشف أن اعتماد الهند الكبير على مصدر واحد يحمل مخاطر متزايدة. فالهجمات على المنشآت النفطية الروسية، والمنافسة الصينية على الخام المتاح، وارتفاع الطلب الهندي المتوقع، كلها عوامل تدفع نيودلهي إلى توزيع مشترياتها على مناطق أكثر تنوعاً.
وتبرز منطقة الخليج كبديل طبيعي بحكم القرب الجغرافي والطاقة الإنتاجية الكبيرة، إلا أن الاضطرابات في مضيق هرمز تضع هذا الخيار أيضاً أمام مخاطر أمنية، ما يفسر توسع المصافي الهندية في البحث عن شحنات من غرب أفريقيا والأميركيتين.
وتكشف هذه التحركات أن سوق النفط العالمي يدخل مرحلة أصبحت فيها الجغرافيا السياسية جزءاً من قرار الشراء اليومي. فلم يعد السعر وحده العامل الحاسم، بل باتت سلامة خطوط الإمداد وتوافر الناقلات والممرات البحرية والمخاطر العسكرية عناصر مؤثرة في خريطة تجارة الطاقة.
أما بالنسبة لروسيا، فإن المنافسة على السوق الهندية تزداد تعقيداً. فحتى مع استمرار الخصومات السعرية، تواجه موسكو تحديات تتعلق بقدرتها على الحفاظ على تدفقات مستقرة، خصوصاً مع الضغوط التي تتعرض لها منشآتها النفطية وتصاعد المنافسة بين كبار المشترين الآسيويين.
وفي المحصلة، فإن انخفاض الواردات الهندية إلى نحو مليوني برميل يومياً يمثل تراجعاً مهماً مقارنة بذروة تموز، لكنه لا يعني نهاية الشراكة النفطية بين البلدين. والأرجح أن المرحلة المقبلة ستشهد توزيعاً أوسع لمصادر النفط الهندية، مقابل محاولة روسية للحفاظ على حصتها في واحد من أهم أسواقها بعد إعادة رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية.







