دريد توفيق – باحث وخبير في الشأن الانتخابي
يُعدّ تصويت العراقيين في الخارج أحد الاستحقاقات الدستورية التي تكفل حق المواطنين في المشاركة بالعملية الديمقراطية بغض النظر عن مكان إقامتهم. ومع كل دورة انتخابية يعود الجدل حول إمكانية إعادة العمل بانتخابات الخارج، وما إذا كانت التحديات التي تواجهها إدارية ومالية أم أنها أصبحت اليوم أكثر تعقيداً بسبب المتطلبات الفنية الجديدة.
ومن المهم التذكير بأن انتخابات الخارج التي جرت بين عامي 2005 و2018 كانت تُنفذ في ظروف مختلفة تماماً عن الواقع الحالي. ففي تلك الفترة لم يكن الناخب العراقي في الخارج ملزماً بامتلاك بطاقة بايومترية، الأمر الذي جعل إجراءات التسجيل والاقتراع أكثر بساطة وأقل كلفة من الناحية التشغيلية. ورغم ما كانت تتحمله المفوضية من نفقات تتعلق بإرسال البعثات الانتخابية واستئجار المراكز وتوظيف العاملين، إلا أن العملية كانت قابلة للتنفيذ بسبب عدم وجود متطلبات فنية معقدة مرتبطة بالتسجيل البايومتري.
أما في انتخابات مجلس النواب لعام 2021 فقد توقفت عملية التصويت في الخارج. وفي ذلك الوقت ارتبط القرار بشكل كبير بالظروف الاستثنائية التي فرضتها جائحة كورونا، حيث واجهت المفوضية صعوبات في الحصول على الموافقات اللازمة لإرسال فرقها إلى مختلف الدول وتنفيذ عمليات التسجيل والتحديث البايومتري للناخبين.
ومنذ ذلك التاريخ شهد النظام الانتخابي العراقي تحولاً جوهرياً مع اعتماد البطاقة البايومترية كوسيلة أساسية للتصويت. وقد ظهر هذا التوجه بصورة واضحة في انتخابات مجالس المحافظات لعام 2023 التي اقتصرت المشاركة فيها على حاملي البطاقات البايومترية، علماً أن انتخابات مجالس المحافظات لا تشمل العراقيين المقيمين في الخارج أصلاً.
أما اليوم، ومع اقتراب أي استحقاق انتخابي جديد يتضمن مشاركة العراقيين في الخارج، فإن التحدي لم يعد مقتصراً على الكلفة المالية، بل أصبح يتمثل في كيفية إدارة المتطلبات البايومترية للناخبين خارج العراق.
فلكي يتمكن المواطن المقيم في الخارج من التصويت، عليه أولاً تحديث بياناته البايومترية، ثم استلام بطاقته البايومترية، ثم الحضور يوم الاقتراع للإدلاء بصوته. وهذا يعني عملياً أن الناخب قد يضطر إلى مراجعة السفارة أو المركز الانتخابي ثلاث مرات منفصلة.
وتزداد المشكلة تعقيداً في الدول ذات المساحات الواسعة أو التي تتركز فيها الجاليات العراقية بعيداً عن المدن التي توجد فيها السفارات والقنصليات. فالمواطن الذي يبعد عشرات أو مئات الكيلومترات عن أقرب مركز تسجيل سيجد نفسه مضطراً إلى تحمل أعباء السفر والإقامة أكثر من مرة لإكمال الإجراءات المطلوبة.
ومن جانب آخر، يتطلب تنفيذ هذه العملية بقاء فرق المفوضية في الدول المضيفة لفترات طويلة قد تمتد إلى شهرين أو أكثر، من أجل إجراء عمليات التسجيل والتحديث وإصدار البطاقات وتسليمها للناخبين قبل موعد الاقتراع. وهذا الأمر يرفع النفقات التشغيلية والإدارية بصورة كبيرة مقارنة بعدد الناخبين المتوقع مشاركتهم.
لذلك فإن النقاش الحالي حول إعادة تصويت الخارج يجب ألا يقتصر على مبدأ الحق الدستوري، وهو حق لا خلاف عليه، وإنما ينبغي أن يشمل أيضاً البحث عن آليات جديدة تواكب التطور التكنولوجي وتخفف الأعباء المالية والإجرائية. فالتصويت الإلكتروني أو البريدي، إذا ما توفرت له الضمانات القانونية والتقنية الكافية، قد يكون أحد الخيارات التي تستحق الدراسة الجادة مستقبلاً.
إن التحدي الحقيقي أمام صانع القرار اليوم يتمثل في إيجاد صيغة تحقق التوازن بين ضمان حق العراقيين في الخارج بالمشاركة السياسية، وبين بناء نظام انتخابي عملي وقابل للتنفيذ ينسجم مع متطلبات البطاقة البايومترية ويحافظ في الوقت نفسه على كفاءة الإنفاق العام ونزاهة العملية الانتخابية.






