حرية
مع كل صيف جديد ترتفع درجات الحرارة في العراق إلى مستويات قياسية تكاد تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة على ملايين المواطنين وفي بغداد على وجه الخصوص لم تعد موجات الحر مجرد ظاهرة موسمية عابرة بل تحولت إلى أزمة بيئية وحضرية متفاقمة تكشف عاماً بعد آخر حجم الإخفاق في التخطيط العمراني وإدارة المساحات الخضراء داخل العاصمة.
ففي الوقت الذي تتجه فيه مدن العالم إلى توسيع الأحزمة الخضراء وزراعة ملايين الأشجار وإنشاء الحدائق العامة لمواجهة التغير المناخي وخفض درجات الحرارة ما تزال بغداد تفقد مساحاتها الخضراء تدريجياً لصالح التوسع العمراني العشوائي والتجاوزات والمشاريع التي تفتقر إلى البعد البيئي.
إن ارتفاع درجات الحرارة لا يرتبط فقط بالمناخ العالمي بل يتأثر بشكل مباشر بغياب الغطاء النباتي وانتشار الكتل الخرسانية والإسفلتية التي تمتص الحرارة وتعيد إطلاقها لساعات طويلة ولهذا أصبحت العديد من مناطق بغداد تعاني من ظاهرة “الجزيرة الحرارية” التي تجعل درجات الحرارة داخل المدينة أعلى من المناطق المحيطة بها بعدة درجات.
ورغم التحذيرات المتكررة من المختصين والخبراء البيئيين فإن مشاريع التشجير ما زالت دون مستوى الطموح فالحدائق العامة محدودة والمساحات الخضراء في تناقص مستمر فيما تفتقر الكثير من الأحياء السكنية إلى الأشجار والمناطق المفتوحة التي يمكن أن تخفف من آثار الحر وتوفر متنفساً للسكان.
وفي هذا السياق تبرز مسؤولية وزارة البيئة التي يفترض أن تكون الجهة الأولى في وضع السياسات البيئية ومتابعة تنفيذ برامج التشجير ومراقبة الواقع البيئي في العاصمة والمحافظات. فالوزارة مطالبة اليوم بالانتقال من مرحلة التحذير والتوصيات إلى مرحلة المبادرات الميدانية والضغط باتجاه تنفيذ مشاريع حقيقية لمواجهة التصحر وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الغطاء النباتي.
لكن المسؤولية الأكبر تبقى على عاتق أمانة بغداد بوصفها الجهة التنفيذية المسؤولة عن إدارة العاصمة وتخطيطها الحضري فالمواطن البغدادي لا يقيس نجاح الأمانة بعدد البيانات والتصريحات بل بما يراه على أرض الواقع من حدائق ومتنزهات وأشجار ومساحات خضراء وخدمات بيئية ملموسة.
وخلال السنوات الماضية شهدت بغداد إزالة وتجريف العديد من المساحات الخضراء وتحويل بعضها إلى مشاريع استثمارية أو أبنية ومجمعات سكنية دون وجود بدائل حقيقية تعوض ما فقدته المدينة من غطاء نباتي. كما أن الكثير من مشاريع التشجير التي تم الإعلان عنها لم تحقق الأهداف المرجوة أو لم تستمر بالشكل المطلوب بسبب ضعف المتابعة والصيانة.
إن معالجة أزمة الحرارة في بغداد لا يمكن أن تتم من خلال زيادة ساعات تجهيز الكهرباء أو نشر النصائح الصحية فقط. فالحل الحقيقي يبدأ بإعادة التوازن البيئي للمدينة عبر إطلاق مشروع وطني واسع للتشجير وإنشاء الأحزمة الخضراء وزيادة الحدائق العامة وحماية المساحات الخضراء القائمة ومنع التجاوز عليها.
كما أن العاصمة بحاجة إلى خطة استراتيجية طويلة الأمد تشارك فيها أمانة بغداد ووزارة البيئة ووزارة الزراعة والحكومات المحلية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني بهدف تحويل التشجير إلى أولوية وطنية لا تقل أهمية عن مشاريع البنى التحتية والخدمات.
إن ارتفاع درجات الحرارة لم يعد مشكلة موسمية بل تحدياً بيئياً وصحياً واقتصادياً يمس حياة المواطنين بشكل مباشر. وكل صيف يمر دون خطط حقيقية للتشجير والتوسع بالمساحات الخضراء يعني مزيداً من المعاناة لسكان بغداد ومزيداً من التراجع في نوعية الحياة داخل المدينة.
واليوم ومع وصول درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة لم يعد السؤال عن أسباب الحر بل عن الجهات التي أخفقت في الاستعداد له فالعاصمة التي كانت تعرف يوماً بمدينة الحدائق والنخيل تستحق رؤية بيئية جديدة تعيد إليها خضرتها وتمنح سكانها حقهم الطبيعي في بيئة صحية ومدينة أكثر ملاءمة للحياة.







