بقلم: أحمد الحمداني
في خضم التحولات السياسية المتسارعة في العراق، يبرز اسم علي فالح الزيدي بوصفه رئيس مجلس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، في لحظة تبدو فيها البلاد بأمسّ الحاجة إلى إعادة تعريف معايير القيادة بعيداً عن القوالب التقليدية التي حكمت المشهد لسنوات طويلة.
وبصراحة مهنية لا أملك معرفة شخصية سابقة بالرجل ولم ألتقِ به أو أتابع مسيرته عن قرب وهذا بحد ذاته يضعني في موقع أقرب إلى المواطن أو المراقب الذي يتلقى صورته من خلال ما يُطرح في الفضاء العام لكن اللافت (وربما المقلق) هو حجم التباين الحاد في التفاعل معه على وسائل التواصل الاجتماعي بين موجة انتقادات قاسية تقابلها حالة من الإطراء المبالغ فيه وكأننا أمام شخصيتين مختلفتين لا شخصية واحدة.
هذا الانقسام الحاد لا يعكس بالضرورة حقيقة الرجل بقدر ما يكشف طبيعة البيئة السياسية والإعلامية التي نعيشها حيث يتم تصنيع الصور والانطباعات بسرعة تفوق قدرة الواقع على إثباتها أو نفيها.
لكن بعيداً عن هذا الضجيج ثمة معطيات تستحق التوقف عندها.
أن دخول الزيدي إلى هذا المضمار السياسي جاء بشكل مفاجئ وقوي في آنٍ واحد وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة لكنه في الوقت ذاته يمنح مؤشراً على وجود إرادة سياسية (داخلية وخارجية) للدفع بوجوه جديدة إلى الواجهة وهذا بحد ذاته تطور لا يمكن تجاهله في نظام طالما أُخذ عليه إعادة تدوير الأسماء ذاتها.
أن الرجل ينتمي إلى جيل الشباب نسبياً وهي نقطة لطالما كانت محل مطالبة مستمرة من قبل النخب والرأي العام لقد قيل كثيراً إن العراق بحاجة إلى دماء جديدة إلى عقلية مختلفة إلى قيادة تفكر بلغة المستقبل لا بمنطق الماضي وإذا كنا جادين في هذا الطرح فلا يمكن أن نرفض التجربة قبل أن تبدأ.
وربما الأهم أن الزيدي يُقدم بوصفه رجل أعمال أكثر من كونه سياسياً تقليدياً هذه الزاوية تحديداً تستحق اهتماماً خاصاً لأن المرحلة التي يمر بها العراق اليوم لم تعد تحتمل إدارة تقليدية للأزمات بل تحتاج إلى عقلية اقتصادية قادرة على فهم حركة المال إدارة الموارد جذب الاستثمار وبناء توازنات عملية مع الداخل والخارج.
وإن امتلاك علاقات متوازنة مع مختلف القوى السياسية إلى جانب شبكة علاقات اقتصادية قد يمنح رئيس الوزراء المكلف هامش حركة أوسع من سابقيه خاصة إذا ما أحسن توظيف هذه المعطيات ضمن مشروع وطني واضح.
ومع ذلك، فإن كل ما سبق لا يعفي الزيدي من اختبار حقيقي وصارم يبدأ من قدرته على تشكيل حكومة متماسكة وينتقل إلى برنامجه التنفيذي وينتهي بمدى استقلال قراره عن مراكز النفوذ التقليدية.
الخلاصة هنا ليست في تبني موقف تأييد مطلق أو رفض قاطع بل في الدعوة إلى مقاربة أكثر توازناً إعطاء فرصة حقيقية مقرونة برقابة حقيقية فالعراق لم يعد يحتمل مغامرات غير محسوبة لكنه أيضاً لا يستطيع الاستمرار في إغلاق الأبواب أمام أي محاولة للتجديد.
إن الرهان اليوم ليس على اسم بقدر ما هو على نهج وإذا كان علي فالح الزيدي يمثل كما يُقال مزيجاً من عقلية اقتصادية وشبكة علاقات متوازنة فإن التحدي الأكبر أمامه سيكون في تحويل هذه الصفات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن لا شعارات تُستهلك في الخطاب السياسي.
وعليه قد يكون من المبكر إصدار الأحكام لكن من الخطأ أيضاً أن نصادر الفرص قبل اختبارها وبين هذا وذاك يبقى المعيار الوحيد هو الأداء… لا الضجيج.







