حرية
وقعت السعودية وتركيا وباكستان، اليوم الجمعة، اتفاقاً دفاعياً مشتركاً في مكة المكرمة، ينص على اعتبار أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في حسابات الأمن الإقليمي، وتكشف عن توجه متزايد لدى قوى إقليمية رئيسية لبناء مظلة أمنية أكثر استقلالاً في مواجهة تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
وجاء الاتفاق في ظل بيئة أمنية شديدة الاضطراب، مع استمرار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وتهديد منشآت الطاقة والممرات البحرية، وتراجع مستويات اليقين بشأن قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على حماية دول المنطقة من تداعيات الصراعات المتعددة.
وبحسب البيان المشترك، يهدف الاتفاق إلى تعزيز الردع الجماعي والأمن المشترك ودعم الاستقرار الإقليمي، فيما أكد مسؤول تركي أن الاتفاق دفاعي بحت ولا يستهدف دولة بعينها، كما أنه لا يلغي الترتيبات الثنائية أو متعددة الأطراف القائمة، ويمكن أن تنضم إليه دول إقليمية أخرى.
لماذا الآن؟
لا يمكن فصل الاتفاق عن التحولات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والتي نقلت التهديدات من ساحات الصراع التقليدية إلى العمق الاستراتيجي لدول الخليج.
فالسعودية باتت تواجه معادلة أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد المخاطر مقتصرة على الحدود أو على منشآت عسكرية، بل أصبحت منشآت النفط والطاقة والموانئ والممرات البحرية أهدافاً محتملة في أي مواجهة إقليمية واسعة.
وهذا يفسر سعي الرياض إلى توسيع شبكة الشراكات الدفاعية وعدم الاعتماد حصراً على المظلة الأمنية الأمريكية.
ثلاث قوى.. وثلاثة عناصر للردع
أهمية الاتفاق لا تأتي فقط من عدد الدول الموقعة، وإنما من تكامل عناصر القوة بينها.
السعودية تمتلك القدرات المالية والنفوذ الاقتصادي وموقعاً مركزياً في سوق الطاقة العالمية.
تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، إلى جانب قاعدة صناعات دفاعية تطورت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة البحرية والصاروخية.
أما باكستان فتمنح الترتيب بعداً استراتيجياً مختلفاً، باعتبارها قوة عسكرية كبيرة ودولة نووية، فضلاً عن علاقاتها العسكرية التاريخية مع السعودية.
وبذلك، فإن الاتفاق يجمع بين التمويل السعودي، والقدرات الصناعية والتكنولوجية التركية، والخبرة العسكرية والردع الاستراتيجي الباكستاني.
هل هو بديل عن واشنطن؟
رغم أن الاتفاق لا يستهدف الولايات المتحدة، فإن توقيته يحمل رسالة واضحة: دول المنطقة لم تعد تريد أن تكون رهينة لتحولات السياسة الأمريكية.
فالرياض وأنقرة وإسلام آباد ترتبط جميعها بعلاقات استراتيجية مع واشنطن بدرجات مختلفة، لكن التجارب الأمنية الأخيرة دفعت هذه الدول إلى التفكير في بناء قدرات إقليمية قادرة على التعامل مع الأزمات حتى في حال تأخر التدخل الأمريكي أو تغير أولوياته.
وهنا تكمن المفارقة؛ الاتفاق قد لا يكون موجهاً ضد واشنطن، لكنه في الوقت نفسه يقلل من الاعتماد المطلق عليها.
تركيا تدخل الخليج من بوابة الأمن
بالنسبة إلى أنقرة، يمثل الاتفاق فرصة لتعزيز حضورها في منطقة الخليج، ليس سياسياً واقتصادياً فقط، وإنما أمنياً وعسكرياً أيضاً.
وقد بنت تركيا خلال السنوات الماضية علاقات دفاعية متنامية مع السعودية، شملت صفقات في مجال الطائرات المسيّرة والتعاون الصناعي العسكري.
وإذا تحول الاتفاق إلى تعاون عملياتي حقيقي، فقد تجد تركيا نفسها أمام سوق دفاعية أوسع، ونفوذ استراتيجي متزايد في الخليج، مع إمكانية توسيع التعاون في مجالات الدفاع الجوي والمسيّرات والأمن البحري والصناعات العسكرية.
باكستان.. العودة إلى الخليج من بوابة استراتيجية
أما إسلام آباد، فتجد في الاتفاق فرصة لتعزيز موقعها لدى دول الخليج، خصوصاً بعد سنوات من التعاون العسكري مع السعودية.
ووجود باكستان في الترتيب يمنحه ثقلاً عسكرياً يتجاوز البعد التقليدي للتحالفات الخليجية، حتى وإن كان الاتفاق لا يتضمن أي التزام نووي.
كما أن مشاركة دولة نووية في منظومة أمنية خليجية ترفع من مستوى الرسالة الردعية للاتفاق، حتى من دون إدخال السلاح النووي بصورة مباشرة في ترتيباته.
الخطر الأكبر: تحويل الردع إلى مواجهة
لكن قوة الاتفاق قد تكون أيضاً مصدر مخاطره.
فالنص الذي يعتبر الهجوم على دولة واحدة هجوماً على الدول الثلاث يرفع مستوى الردع، لكنه في المقابل يعني أن أي مواجهة عسكرية محدودة مع إحدى الدول يمكن أن تتحول سريعاً إلى أزمة أوسع.
ولهذا سيكون الاختبار الحقيقي للاتفاق في آليات اتخاذ القرار، وتحديد طبيعة الرد، وتنسيق القوات، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والدفاع الجوي والبحري المشترك.
إذا بقي الاتفاق في إطار سياسي، فسيكون رسالة ردع مهمة. أما إذا تحول إلى بنية عسكرية متكاملة، فقد يصبح أحد أهم التحولات في خريطة الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
مكة.. أكثر من مكان للتوقيع
اختيار مكة المكرمة لتوقيع الاتفاق يمنحه أيضاً بعداً رمزياً وسياسياً، إذ يجمع ثلاث دول ذات ثقل كبير في العالم الإسلامي في لحظة تواجه فيها المنطقة حالة غير مسبوقة من الاستقطاب والتهديدات العابرة للحدود.
ومن هنا يمكن النظر إلى “تحالف مكة” بوصفه محاولة لإنتاج معادلة أمنية إقليمية جديدة، لا تقوم فقط على التحالف مع القوى الكبرى، وإنما على جمع القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية للدول الإقليمية نفسها.
وقد لا يكون الاتفاق بداية حلف عسكري كامل بالمعنى التقليدي، لكنه بالتأكيد مؤشر على أن دولاً رئيسية في المنطقة بدأت تستعد لعالم أمني جديد، تكون فيه القدرة على حماية المصالح الوطنية مسؤولية إقليمية مشتركة، لا خدمة تقدمها قوة خارجية بالنيابة عنها.







