أنس بن فيصل الحجي
الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز حقق للولايات المتحدة منافع لا تقدر بثمن، بخاصة في الزمنين المتوسط والطويل، ومعظم هذه الأهداف ذُكر في إستراتيجية الأمن القومي التي نشرتها إدارة ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، ولا شك في أن هناك أموراً عدة تؤثر سلباً في الاقتصاد الأميركي، ولكن هذه الخسائر في المدى القصير فقط بينما تكون المنافع على المديين القصير والمتوسط وأيضاً الطويل.
ما حصل هو ضربة للاقتصادات الآسيوية في الصميم، بخاصة صناعة أشباه الموصلات وشرائح الحواسيب والبتروكيماويات والوقود الحيوي والقطاع الزراعي بشكل عام، وإذا طالت الحرب فسيجري ضرب صناعة السيارات الكهربائية الصينية، وقد وجهت الولايات المتحدة لكمات عدة للاتحاد الأوروبي، ولكن إغلاق مضيق هرمز قد يكون الضربة القاضية، ففي وقت تدفع الشركات الآسيوية أسعاراً تاريخية للنفط والغاز والغاز المسال والغازات السائلة والميثانول والهيليوم والسماد، فإن أسعار هذه المواد في الولايات المتحدة من الأرخص في العالم الآن، ولدى الولايات المتحدة قدرة ضخمة على إمداد العالم بالغاز والنفط والغازات السائلة والهيليوم والميثانول والبتروكيماويات والسماد، وإغلاق هرمز يمهد لها الطريق لأن الصورة التي تريد الولايات المتحدة رسمها أمام العالم هي أن صادرات الطاقة من الخليج ليست بالشكل الرخيص الذي يتصوره بعضهم، والآن هناك أخطار انقطاع الإمدادات وسيكون التأمين أعلى بكثير من ذي قبل، وما حصل لن يكون من دون نتائج سلبية، سواء على الولايات المتحدة أو على صناعة النفط والغاز بشكل عام، ولكن أؤكد هنا أن النتائج السلبية لإغلاق مضيق هرمز على الولايات المتحدة في المدى القصير، بينما المنافع على المدى القصير والمتوسط والطويل.
الأثر في صناعة النفط والغاز
منذ أيام كان هناك عنوان مثير في موقع يساري مشهور بتأييده لسياسات التغير المناخي والطاقة الخضراء والسيارات الكهربائية وهو “ترمب أفضل شيء حصل للطاقة المتجددة”، وما ذُكر في العنوان والمقالة صحيح، لأن الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز هزا سمعة النفط والغاز هزة عنيفة، وسينتج من ذلك سياسات تتبناها الدول في أنحاء العالم، تماماً كما حصل خلال السبعينيات بعد ما يسمى بـ “المقاطعة النفطية”، فالدول المستوردة ستتبنى سياسات تبتعد فيها من النفط تحديداً، ومن ثم فإن هذا سيؤثر سلباً في مستقبل دول الخليج لأن الطلب على النفط لن ينمو في المدى الطويل مثلما كان متوقعاً قبل أزمة هرمز، وخلال الأشهر المقبلة سنرى حملات إعلامية منظمة ضد النفط ودول المنطقة، داعية إلى عدم الاعتماد عليها لأنها مصدر غير آمن للطاقة، وبعبارة أخرى فإن سمعة النفط وسمعة المنطقة تشوهت، سواء انتهت الحرب غداً أو بعد شهور من الآن، وسيزداد التشويه حتى بعد انتهاء الحرب بسبب قيام كل من يستفيد بحملات إعلانية تركز على ما حصل وضرورة التحول إلى الطاقة المتجددة، أو التحول إلى بلاد أكثر أمناً وبخاصة الولايات المتحدة وكندا، وسنرى بعض السياسيين يدعون إلى دعم أجنداتهم بحجة أن منطقة الخليج غير آمنة ولا يمكن الاعتماد عليها، وباختصار فإن تشويه السمعة حصل وتأثيره سيستمر لعقود، وما حصل خلال السبعينيات لم يجر إصلاحه إلا بعد 40 عاماً تقريباً.
النفط والغاز والأمن القومي
تنبهت الحكومة الصينية للسياسات الأميركية باكراً فتبنت سياسيات عدة متمحورة حول ربط مصادر الطاقة بالأمن القومي ومنها:
أولاً، زيادة إنتاج النفط والغاز محلياً بغض النظر عن الكُلف مقارنة بأسعار واردات النفط والغاز.
ثانياً، الخفض المستمر لواردات النفط والغاز المسال عبر البحر والتركيز على زيادة واردات الغاز عبر الأنابيب من روسيا، ليس لأنه أرخص فقط ولكن لأنه بعيد من السيطرة الأميركية ويتجاوز نظام المدفوعات العالمي.
ثالثاً، بناء مخزون ضخم من النفط والغاز والفحم يغطي ثلاثة أشهر من الواردات في الأقل، ولو نظرنا إلى المخزون النفطي الحالي في الصين وقارناه بواردات الصين من الخليج قبل الأزمة فسنجد أنه حتى من دون أي بدائل ولا ترشيد ولا تقشف، فإن الصين تستطيع أن تستمر في حياتها الطبيعة مدة ستة شهور في الأقل.
رابعاً، وهنا بيت القصيد، كهربة كل شيء بما في ذلك قطاع المواصلات، وهو ما يتطلب بناء عدد هائل من مزارع الطاقة الشمسية والرياح وربطها بعدد هائل من بطاريات التخزين، وهذه السياسية التي تكُلف الحكومة الصينية مئات المليارات من الدولارت لا علاقة لها بالسياسات المناخية، بل هي جزء من إستراتيجية الأمن القومي.
ما سبق غير منطقي من الناحية الاقتصادية والمالية ويتطلب إعانات حكومية ضخمة، ولكن كل هذه الانتقادات الاقتصادية والمالية لا قيمة لها عندما يكون القرار متعلقاً بالأمن القومي، وما سبق كان قبل الأزمة الحالية، وما حصل أخيراً سيعزز هذه الاتجاهات، وأحد أسباب لجوء الصين إلى إستراتيجية ربط موارد الطاقة بالأمن القومي هو الحروب التجارية والضرائب الجمركية والعقوبات الاقتصادية واستخدام الولايات المتحدة النفط والغاز المسال كأسلحة في سياساتها الخارجية والتجارية، وقد أدركت دول الاتحاد الأوروبي وكندا المأزق الذي وقعت فيه بسبب حروب ترمب التجارية ورغبته في السيطرة على غرينلاند وتهديده الاتحاد الأوروبي بقطع الغاز المسال عنه، وهنا تستخدم الولايات المتحدة الغاز المسال كسلاح، وهو ما جعل دول الاتحاد الأوروبي وكندا تفكر بطريقة الصين نفسها: ربط مصادر الطاقة بالأمن القومي، وهذا يعني توجه الاتحاد الأوروبي للتخفيف من الاعتماد على واردات الغاز المسال الأميركية لأسباب بيئية وأمنية، ومن هذا المنطلق وجدنا بعض الدول تعود للطاقة النووية بقوة، بينما ستقدم دول أخرى إعانات ضخمة لبناء مزيد من مزارع الطاقة الشمسية وبناء عنفات رياح في البحر والتركيز على بطاريات التخزين، وعلى رغم عدم منطقية هذه المشاريع اقتصادياً ومالياً لكن كل هذه الانتقادات لا قيمة لها لأن الأمر يتعلق بالأمن القومي، ومرة أخرى هذا كان قبل الأزمة الحالية.
إن أزمة هرمز التاريخية ستجعل هذه الدول تعزز هذا الاتجاه الذي يربط مصادر الطاقة بالأمن القومي والتركيز على مصادر الطاقة الداخلية، بخاصة الطاقة المتجددة والتخزين، والتركيز على السيارات الكهربائية بصورة أكبر من ذي قبل، والمشكلة أن دولاً كثيرة ستنضم إليها نتيجة ما يحصل الآن، ومن ثم ستجري عولمة النظام الصيني وهو ما سيؤثر سلباً في الطلب على النفط والغاز، وسيؤثر سلباً في الدول النفطية.
خلاصة الأمر أن إغلاق مضيق هرمز مفيد للولايات المتحدة على المديين القصير والبعيد، ولكنه سيكون مكُلفاً على المدى القصير نتيجة العوامل السلبية الناتجة من ارتفاع الأسعار والتضخم، ولكن الفوائد على المدى الطويل لا تُقدر بثمن، وأحد أهم نتائج الأزمة هو ربط الدول بين مصادر الطاقة والأمن القومي مما سيؤدي إلى إضعاف التجارة العالمية في الطاقة، لأن الدول ستركز على تنمية مصادر الطاقة المحلية المكُلفة، وارتفاع كُلف الطاقة في كل أنحاء العالم ما عدا الولايات المتحدة على مدى العقود المقبلة هو تماماً ما تريده واشنطن، وهو ما ذُكر في إستراتيجية الأمن القومي التي نُشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، “توافر الطاقة وبأسعار رخيصة للشركات الأميركية، وجعل أسعار الطاقة عالية على شركات الدول المنافسة”.







