حرية
عادت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض عقوبات وتبعات اقتصادية على الدول التي تتعامل مع إيران إلى الواجهة، لتضع عدداً من الشركاء التجاريين لطهران أمام اختبار صعب، وفي مقدمتهم العراق، الذي يرتبط بإيران بعلاقات تجارية واقتصادية واسعة تشمل الطاقة والسلع والخدمات والنقل.
وتعهد ترمب بشن ما وصفه بـ«حرب اقتصادية» على إيران، ملوحاً بعواقب على الدول التي تواصل التعامل التجاري والمالي معها، في خطوة قد تعيد رسم خريطة التجارة الإقليمية وتفرض ضغوطاً إضافية على الدول التي تربطها مصالح مباشرة مع طهران.
وبحسب بيانات أوردتها وكالة «فرانس برس»، تتوزع مصالح إيران التجارية على عدد من الدول، أبرزها الصين والإمارات وتركيا وروسيا والعراق والهند وألمانيا، إلا أن حجم وطبيعة العلاقات تختلف من دولة إلى أخرى.
الصين.. الشريك الأكبر
تأتي الصين في مقدمة الشركاء التجاريين لإيران، إذ تستحوذ على أكثر من ربع حجم التجارة الخارجية الإيرانية.
وبلغت الواردات الصينية من إيران نحو 14.5 مليار دولار، مقابل صادرات صينية إلى إيران بقيمة 18 مليار دولار خلال عام 2024، وفق بيانات منظمة التجارة العالمية.
وتتركز الصادرات الإيرانية إلى الصين في الهيدروكربونات والمنتجات الكيميائية واللدائن، فيما تستورد طهران من بكين الآلات والمعدات الصناعية والإلكترونية والسيارات والمعادن.
وهذا يجعل بكين الطرف الأكثر قدرة على تحمل الضغوط الأميركية، لكنه في الوقت نفسه الأكثر تعرضاً لأي محاولة أميركية لتوسيع نطاق العقوبات الثانوية على التعاملات مع إيران.
الإمارات.. علاقة تجارية تحت الضغط
كانت الإمارات من أبرز الشركاء التجاريين لإيران، قبل إعلانها هذا الأسبوع إجراءات لقطع التبادل التجاري والمالي مع طهران.
وبلغت حصة الإمارات نحو 30.6% من إجمالي واردات إيران خلال عام 2024، بقيمة قاربت 21 مليار دولار.
وتكشف هذه الأرقام أن أي قيود واسعة على التعاملات الإيرانية لن تكون مجرد قضية سياسية، بل يمكن أن تمتد إلى سلاسل التوريد والشحن وإعادة التصدير في المنطقة، خصوصاً أن الإمارات كانت تمثل بوابة تجارية مهمة للسلع المتجهة إلى السوق الإيرانية.
تركيا وروسيا.. ممرات بديلة
بلغت واردات إيران من تركيا 5.6 مليارات دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، مقابل صادرات إيرانية إلى تركيا بقيمة 7.91 مليارات دولار، معظمها من المنتجات الهيدروكربونية.
أما روسيا، فبلغت وارداتها من إيران نحو 930 مليون دولار، مقابل صادرات روسية إلى إيران بقيمة 1.36 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
وتكتسب العلاقة الروسية الإيرانية أهمية تتجاوز قيمة التجارة المباشرة، مع توسع استخدام مسارات بحر قزوين والممرات البرية لتجاوز الضغوط والعقوبات الغربية.
العراق.. الحلقة الأكثر حساسية
أما العراق، فيبدو من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات أي تصعيد اقتصادي أميركي ضد إيران، ليس بسبب حجم التجارة فقط، وإنما بسبب طبيعة الاعتماد المتبادل وتشابك المصالح الاقتصادية بين البلدين.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، بلغت صادرات إيران إلى العراق نحو 7.91 مليارات دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، مقابل واردات إيرانية من العراق بنحو 450 مليون دولار.
لكن قراءة العلاقة العراقية الإيرانية من خلال الميزان التجاري وحده قد تكون مضللة؛ فالعلاقة لا تقتصر على السلع، بل تمتد إلى الطاقة والخدمات والتحويلات والأسواق الحدودية وحركة المسافرين، فضلاً عن ارتباط قطاعات عراقية بمصادر إيرانية في مجالات مختلفة.
وهنا تظهر المعضلة العراقية: بغداد مطالبة بالحفاظ على علاقاتها مع جار أساسي، وفي الوقت نفسه تجنب الدخول في مسار قد يعرّض مؤسساتها ومصارفها وشركاتها لعقوبات أميركية.
العراق بين المصالح والسيادة الاقتصادية
المعادلة الأكثر تعقيداً بالنسبة للعراق هي أن تقليص التعامل مع إيران لا يمكن أن يتم بقرار سريع من دون حساب كلفته على السوق المحلية.
فأي تضييق مفاجئ على التجارة قد ينعكس على الأسعار وتوافر بعض السلع، فيما قد يؤدي تشديد القيود المالية إلى خلق ضغوط إضافية على الشركات والمصارف التي تتعامل مع السوق الإيرانية.
وفي المقابل، فإن استمرار التعاملات بطريقة قد تخالف العقوبات الأميركية يفتح الباب أمام مخاطر أكبر، خصوصاً إذا انتقلت واشنطن من التهديد السياسي إلى فرض عقوبات مباشرة على مؤسسات أو كيانات أو أطراف ثالثة.
ولهذا سيكون أمام الحكومة العراقية هامش ضيق للتحرك: الحفاظ على التجارة المشروعة مع إيران، مع تطوير قنوات دفع وتنويع مصادر الاستيراد والطاقة، وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع تركيا ودول الخليج وأوروبا وآسيا، بما يقلل من قدرة أي طرف خارجي على الضغط على الاقتصاد العراقي.
النفط والطاقة.. العقدة الأكبر
الملف الأكثر حساسية يبقى الطاقة. فالعراق لا يستطيع التعامل مع الأزمة الإيرانية باعتبارها قضية تجارية منفصلة، لأن أي اضطراب في المنطقة يمكن أن ينعكس على صادرات النفط وحركة الملاحة وأسعار الطاقة.
وفي حال اتسعت الحرب الاقتصادية الأميركية لتشمل الشركات التي تقدم خدمات مالية أو لوجستية أو تجارية لإيران، فقد تجد بغداد نفسها أمام ضرورة إعادة ترتيب عدد من الملفات الاقتصادية، خصوصاً تلك المرتبطة بالتحويلات والتجارة الحدودية والطاقة.
واشنطن ترفع سقف الضغط
المشكلة أن سياسة ترمب لا تستهدف إيران وحدها، بل تسعى إلى رفع كلفة التعامل معها على الآخرين.
وهذا يعني أن المعركة الاقتصادية قد تتحول من عقوبات على دولة إلى شبكة من الضغوط على المصارف والشركات وشركات الشحن والمطارات والوسطاء التجاريين، وهو ما يجعل الدول المجاورة لإيران في مقدمة المتضررين المحتملين.
ومن هنا، فإن العراق لا يواجه خياراً بسيطاً بين «التعامل مع إيران» أو «قطع العلاقات معها»، وإنما أمام معادلة أكثر تعقيداً عنوانها: كيف يحافظ على مصالحه الاقتصادية مع إيران من دون أن يتحول إلى ساحة إضافية للصراع الاقتصادي الأميركي الإيراني؟
والإجابة لن تكون في قطع التجارة بصورة مفاجئة، ولا في تجاهل التحذيرات الأميركية، بل في بناء سياسة اقتصادية عراقية أكثر استقلالاً، تقوم على تنويع الشركاء ومصادر الطاقة والأسواق ووسائل الدفع، بحيث لا يصبح الاقتصاد العراقي رهينة لأي أزمة إقليمية أو عقوبات دولية.
فالمواجهة الحقيقية بالنسبة لبغداد ليست مع طهران أو واشنطن، بل مع هشاشة الاقتصاد العراقي واعتماده على مسارات تجارية وطاقة يمكن أن تتأثر سريعاً بالصراعات الإقليمية.







