حرية
تمضي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو ترسيخ سياسة جمركية طويلة الأمد، مع توسيع نطاق الرسوم على الواردات وإطلاق تحقيقات تجارية جديدة تستهدف شركاء اقتصاديين رئيسيين، في خطوة تشير إلى تحول الرسوم من إجراءات استثنائية إلى ركيزة ثابتة في السياسة الاقتصادية الأمريكية.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز، فرضت واشنطن رسوماً إضافية تتراوح بين 10% و12.5% على واردات قادمة من 60 دولة، مبررة القرار بعدم اتخاذ تلك الدول إجراءات كافية لمنع استخدام العمالة القسرية في سلاسل التوريد.
وأوضحت الممثلة التجارية الأمريكية أن الدول المشمولة بالقرار تمثل 99.4% من إجمالي واردات الولايات المتحدة من تلك الأسواق، ما يجعل الإجراءات الجديدة واحدة من أوسع موجات الرسوم الجمركية في السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا التحول بعد التحديات القانونية التي واجهت برنامج “رسوم يوم التحرير”، إذ اعتبرت المحكمة العليا الأمريكية أن استخدام قانون الطوارئ لفرض بعض الرسوم لا يستند إلى أساس قانوني كافٍ، الأمر الذي دفع الإدارة إلى الاعتماد على أدوات قانونية أخرى، أبرزها المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974.
وتعتزم واشنطن توسيع التحقيقات التجارية لتشمل ملفات فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية، وسرقة الملكية الفكرية، ودعم الصناعات الإستراتيجية مثل أشباه الموصلات والروبوتات والآلات الصناعية، مع استهداف 16 شريكاً تجارياً، بينهم الصين والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية والمكسيك وفيتنام.
ويرى خبراء تجارة أن السياسة الجديدة تمنح الشركات وضوحاً أكبر بشأن هيكل الرسوم المستقبلية، لكنها في المقابل تفرض ضغوطاً على الحكومات الأجنبية التي قد تجد نفسها مضطرة لتقديم تنازلات للحفاظ على وصول صادراتها إلى السوق الأمريكية، التي تبلغ قيمة وارداتها نحو 3.4 تريليون دولار سنوياً.
وفي المقابل، أبدت بعض الشركات استعدادها للتكيف مع الرسوم الجديدة، إذ قال الرئيس التنفيذي لشركة Bissell إن شركته كانت تتوقع استقرار الرسوم ضمن نطاق يتراوح بين 10% و15%، ولذلك لم تلجأ إلى تخزين كميات إضافية من البضائع قبل دخول القرارات حيز التنفيذ.
كما تشير البيانات إلى أن الرسوم الجمركية أصبحت مصدراً متزايد الأهمية للإيرادات الأمريكية، بعدما حققت رسوم “يوم التحرير” نحو 166 مليار دولار قبل عمليات استرداد الأموال للمستوردين، فيما أضافت الرسوم المؤقتة الأخرى أكثر من 31 مليار دولار حتى مطلع يوليو.
تعكس الإجراءات الجديدة انتقال الولايات المتحدة من سياسة الرسوم المؤقتة إلى استراتيجية حمائية طويلة الأجل، تقوم على إعادة تشكيل سلاسل التجارة العالمية بما يخدم هدفين رئيسيين: إعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة وتقليص العجز التجاري.
ولم تعد الرسوم الجمركية مجرد وسيلة تفاوضية، بل أصبحت أداة اقتصادية ومالية وسياسية في آن واحد، إذ تسهم في تعزيز الإيرادات الحكومية، وتستخدم أيضاً للضغط على الشركاء التجاريين في ملفات تتجاوز التجارة، مثل حقوق الإنسان والملكية الفكرية والدعم الصناعي.
غير أن هذا النهج قد يحمل تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، إذ إن ارتفاع الرسوم يؤدي عادة إلى زيادة تكاليف الاستيراد، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع للمستهلك الأمريكي، كما يدفع الدول المتضررة إلى اتخاذ إجراءات مضادة، بما يهدد بتصاعد النزاعات التجارية.
وتزداد أهمية هذه التطورات بالنسبة للدول المصدرة إلى الولايات المتحدة، التي قد تضطر إلى إعادة هيكلة سلاسل إنتاجها أو التفاوض على اتفاقات جديدة لتجنب الرسوم، في وقت يواجه فيه النظام التجاري العالمي تحديات متزايدة نتيجة تصاعد السياسات الحمائية.
وفي المجمل، تشير التحركات الأمريكية إلى أن الرسوم الجمركية لم تعد إجراءً ظرفياً، بل أصبحت جزءاً من إعادة صياغة السياسة الاقتصادية الأمريكية، وهو تحول قد يعيد رسم موازين التجارة الدولية خلال السنوات المقبلة، ويؤثر في تدفقات الاستثمار والإنتاج وأسعار السلع على مستوى العالم.







