حرية
لا تتوقف تداعيات قرار ترقية الضباط في وزارة الداخلية عند منح المستحقين رتبهم القانونية، بل تمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بقدرة الوزارة على استيعاب الأعداد المتزايدة من أصحاب الرتب العليا، ومدى توافق هذه الترقيات مع المناصب الفعلية وحاجة التشكيلات الأمنية.
وبينما تطرح الوزارة القرار بوصفه خطوة لمعالجة المعوقات الوظيفية والحد من اللجوء إلى الوساطات، يحذر مختصون من أن تجاوز شرط المنصب من دون مراجعة شاملة للملاك قد يفتح الباب أمام اختلالات إدارية وقيادية.
وقال الخبير الأمني اللواء جواد الدهلكي، في تصريح لـ (حرية)، إن ملف الترقيات في وزارة الداخلية تجاوز، بحسب تقديره، الحدود التي يفترض أن تضبطها ملاكات الضباط وأوصافهم الوظيفية، مشيراً إلى وجود ارتباك في إدارة هذا الملف داخل الوكالة الإدارية والمديرية العامة للأفراد، ولا سيما قسم الضباط والترقية.
وأوضح الدهلكي أن المشكلة لا تتعلق باستحقاق الضابط للترقية من الناحية القانونية فحسب، وإنما بمدى انسجام الرتبة الجديدة مع الهيكل التنظيمي للوزارة وحاجتها الفعلية إلى الضباط في كل مستوى قيادي.
ولفت إلى أن غياب الالتزام بالملاكات، وفق وصفه، أدى إلى زيادة أعداد الضباط من الرتب العليا، بما يتجاوز قدرة بعض المديريات والوحدات على استيعابهم في مناصب تتناسب مع رتبهم.
رتبة أعلى.. لكن أين المنصب؟
ويضع هذا التحدي الوزارة أمام معادلة إدارية دقيقة: كيف يمكن ضمان حق الضابط المستوفي للشروط القانونية في الترقية، من دون أن يؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة بين عدد الضباط في كل رتبة وعدد المناصب التي تحتاج إلى شاغلين؟فالترقية من مقدم إلى عقيد قد تعالج مشكلة تأخر الاستحقاق الوظيفي، لكنها لا تنشئ بالضرورة منصباً جديداً داخل المديرية أو الوحدة الأمنية.
وإذا لم تترافق مع تخطيط واضح للاحتياجات والملاك، فقد تجد الوزارة نفسها أمام أعداد أكبر من الضباط برتب عليا، من دون وجود مواقع وظيفية كافية لتوزيعهم عليها.
وحذر الدهلكي من أن انعكاس ذلك قد يتجاوز الجانب الإداري إلى طبيعة القيادة داخل الوحدات، مشيراً إلى أن بعض المناصب، ومنها قيادة السرايا، قد تشهد تداخلاً في الصلاحيات إذا تعددت الرتب العليا ضمن التشكيل الواحد من دون تحديد دقيق للمسؤوليات وسلسلة الأوامر.
ورأى أن هذا الوضع قد يؤثر سلباً في أداء الوحدات القتالية، في وقت تحتاج فيه المؤسسات الأمنية إلى وضوح القيادة واستكمال الجهوزية والاستعداد.
غياب التخطيط يوسّع المشكلة
ويربط الخبير جانباً من الإشكال بغياب التخطيط الاستراتيجي الذي يحدد الأعداد الفعلية المطلوبة من الضباط، وتوزيعهم على المديريات والتشكيلات، والرتب التي تستدعيها طبيعة المهام والمناصب.
كما دعا إلى إعادة النظر في هيكلية الرتب والملاك، بما يضمن أن تكون الترقية جزءاً من مسار وظيفي منظم، لا إجراءً منفصلاً عن احتياجات المؤسسة.
وتبرز هنا أهمية إعداد قاعدة بيانات دقيقة تتضمن عدد الضباط في كل رتبة، والمناصب المشغولة والشاغرة، والأعداد المتوقع استحقاقها للترقية في الجداول المقبلة.
فمن دون هذه البيانات، يصعب قياس قدرة الوزارة على الاستيعاب أو تحديد ما إذا كانت المشكلة ناتجة عن تأخر الترقيات، أو محدودية المناصب، أو خلل في توزيع الضباط بين التشكيلات.
ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن معالجة الترهل تتطلب حرمان الضباط من حقوقهم القانونية؛ إذ يمكن الفصل بين استحقاق الترقية وبين آليات شغل المناصب وتوزيع المسؤوليات، مع وضع ضوابط تمنع تضخم الرتب من دون حاجة تنظيمية واضحة.
سؤال نيابي سابق يعيد الملف إلى الواجهة
وكان مجلس النواب قد وجّه، في آب الماضي، سؤالاً إلى وزارة الداخلية بشأن آلية ترقية الضباط من رتبة عقيد إلى عميد، مطالباً ببيانات تفصيلية عن أعداد المستحقين للترقية، ومن تمت ترقيتهم فعلياً، ومن تأجلت ترقياتهم، إلى جانب توضيح الأسس القانونية المعتمدة لتحديد المناصب الشاغرة.
كما طلب المجلس إحصاءات عن الترقيات خلال الأعوام 2024 و2025 و2026، والأعداد المتوقع استحقاقها في جدول كانون الثاني 2027.
ويكشف هذا التحرك أن ملف الترقيات والمناصب كان مطروحاً للنقاش قبل التوجيه الأخير، ما يجعل نشر بيانات واضحة عن حجم المشكلة خطوة أساسية لتقييم نتائج القرار.
وفي 20 تشرين الأول 2026، وجّه وزير الداخلية ياسر عبد المالكي بترقية الضباط من رتبة مقدم إلى عقيد عند استيفاء الشروط القانونية من دون اشتراط إشغال منصب وظيفي. وشمل التوجيه أيضاً ترقية الضباط من رتبة عقيد إلى عميد بعد إكمال المدد القانونية، مع اشتراط إشغال منصب وظيفي، أو إكمال خدمة فعلية لا تقل عن ست سنوات في الرتبة الحالية عند عدم توفر المنصب، وفق ما أوردته وسائل إعلام عراقية نقلاً عن الأمر الوزاري.
ويستهدف التوجيه، بحسب ما أعلنته الوزارة، إنصاف الضباط ومنحهم استحقاقاتهم في مواعيدها، والحفاظ على المهنية والاستقرار الوظيفي والحد من الوساطات.
لكن نجاحه سيبقى مرتبطاً بقدرة الوزارة على الموازنة بين حقوق الضباط ومتطلبات التنظيم الأمني.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في عدد الترقيات التي ستُنجز، بل في قدرة الوزارة على ضمان ألا تتحول الرتبة إلى استحقاق منفصل عن المسؤولية، وألا يؤدي اتساع أعداد الضباط من الرتب العليا إلى ازدواجية الصلاحيات أو إضعاف كفاءة التشكيلات.
ويتطلب ذلك مراجعة للملاك، وتحديداً واضحاً للمناصب، وتوزيعاً مدروساً للضباط، مع نشر مؤشرات دورية توضح أعداد المستحقين والمُرقّين والشواغر المتاحة.
فالتوازن بين العدالة الوظيفية والانضباط التنظيمي هو ما سيحدد ما إذا كان القرار سيعالج معوقات الترقيات أم سينقل المشكلة إلى مستوى أعلى من الهيكل الإداري.







