حرية
حصلت وكالة حرية الإخبارية على وثيقة تتضمن نص مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية 2027، تكشف عن توجهات مالية واقتصادية واسعة تتعلق بحجم الإنفاق الحكومي والإيرادات النفطية وغير النفطية والاقتراض الداخلي والخارجي، إلى جانب الأحكام المنظمة للعلاقة المالية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.
وبحسب الوثيقة التي اطلعت عليها وكالة حرية، فإن مشروع الموازنة يتضمن إنفاقاً عاماً يبلغ 217 تريليوناً و238 ملياراً و747 مليوناً و418 ألف دينار، مقابل إيرادات مقدرة بنحو 174 تريليوناً و233 ملياراً و693 مليون دينار، ما يرفع العجز المخطط إلى 43 تريليوناً و5 مليارات و54 مليوناً و418 ألف دينار.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة مالية كبيرة بين الإيرادات والنفقات، إذ يمثل العجز المخطط نحو 19.8% من إجمالي الإنفاق العام، وهو ما يضع ملف تمويل الموازنة والاقتراض وإدارة الموارد النفطية في صدارة التحديات الاقتصادية التي تواجه الحكومة خلال العام المقبل.
وتشير الوثيقة إلى اعتماد الإيرادات العامة بصورة رئيسية على القطاع النفطي، إذ تبلغ الإيرادات النفطية المقدرة 144 تريليوناً و720 مليار دينار، فيما تبلغ الإيرادات غير النفطية نحو 29 تريليوناً و513 ملياراً و693 مليون دينار.
وبذلك تشكل الإيرادات النفطية نحو 83% من إجمالي الإيرادات المقدرة، مقابل نحو 17% للإيرادات غير النفطية، ما يعكس استمرار الاعتماد الكبير على النفط في تمويل النفقات العامة للدولة.
الرواتب والرعاية الاجتماعية وخدمة الدين تستحوذ على مبالغ ضخمة
وتظهر تفاصيل المشروع تخصيص نحو 64.7 تريليون دينار لتعويضات الموظفين، إلى جانب أكثر من 33 تريليون دينار للرعاية الاجتماعية، ونحو 17 تريليون دينار لخدمة الدين العام.
كما تتضمن الموازنة تخصيصات للمنح والإعانات والفوائد تتجاوز 17 تريليون دينار، فضلاً عن تخصيصات استثمارية تتعلق بالمشاريع الحكومية وتنمية الأقاليم والمحافظات والبنى التحتية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الالتزامات التشغيلية والاجتماعية والمالية تمثل جزءاً أساسياً من هيكل الإنفاق الحكومي، الأمر الذي يحد من المرونة المالية المتاحة أمام الحكومة لتوسيع الإنفاق الاستثماري دون توفير مصادر تمويل إضافية.
الاقتراض الداخلي والخارجي لسد العجز
وتكشف المادة الثالثة من مشروع القانون عن اعتماد مجموعة من الأدوات المالية لمعالجة العجز المخطط، تشمل إصدار حوالات وسندات خزينة والاقتراض من المصارف الحكومية والمؤسسات المالية الدولية، إلى جانب الاستفادة من الأرصدة والموارد المالية المتاحة.
وتتضمن الوثيقة قروضاً مستمرة وجديدة بقيمة إجمالية تبلغ نحو 16.15 تريليون دينار، موزعة على عدد من المشاريع الاستثمارية والخدمية والاستراتيجية.
وتشير تفاصيل المشروع إلى استمرار التعاون التمويلي مع مؤسسات دولية، بينها البنك الدولي والوكالة اليابانية للتعاون الدولي ومؤسسات تمويل وضمان صادرات أجنبية، لتمويل مشاريع في قطاعات الكهرباء والنقل والإعمار والمياه والصحة.
ويفتح حجم الاقتراض الوارد في المشروع تساؤلات بشأن قدرة الدولة على الموازنة بين تمويل المشاريع الجديدة والمحافظة على استدامة الدين العام، خصوصاً مع ارتفاع الالتزامات المالية السنوية.
مشاريع استراتيجية واتفاقيات دولية في موازنة 2027
وتكشف الوثيقة عن استمرار تمويل المشاريع المرتبطة بالاتفاقية العراقية الصينية، بما يشمل مشاريع البنى التحتية والمشاريع الاستراتيجية والتنموية.
كما تتضمن تخصيصات وتمويلات لمشاريع إنشاء المستشفيات وتطوير شبكات المياه والمجاري والنقل والكهرباء، فضلاً عن مشاريع مرتبطة بتحديث الإدارة المالية الحكومية.
وتشير تفاصيل القروض الجديدة إلى إدراج مشاريع لإنشاء مستشفيات بسعة 200 سرير في عدد من المناطق، إلى جانب تمويل مشاريع طرق ومجسرات ومرافق خدمية، بما يعكس توجهاً نحو استخدام التمويل الخارجي في تنفيذ مشاريع طويلة الأمد.
العلاقة المالية بين بغداد وأربيل أمام اختبار الموازنة الجديدة
وتكتسب الوثيقة أهمية سياسية واقتصادية إضافية لارتباط مشروع موازنة 2027 بملف العلاقة المالية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، الذي ظل خلال السنوات الماضية أحد أبرز الملفات الخلافية، ولا سيما ما يتعلق بالإيرادات النفطية والرواتب والالتزامات المالية المتبادلة.
ومن المتوقع أن تحظى الأحكام الخاصة بالإقليم باهتمام واسع خلال مناقشة المشروع، نظراً إلى ارتباطها المباشر بانتظام التمويل الاتحادي وتسوية الملفات المالية العالقة بين بغداد وأربيل.
غير أن تحديد الالتزامات الجديدة على الإقليم وآليات تسليم الإيرادات وصرف المستحقات يحتاج إلى تثبيت النصوص الخاصة بها حرفياً، قبل نسبتها إلى مشروع القانون.
موازنة 2027 تفتح أسئلة بشأن مستقبل السياسة المالية
وتكشف قراءة الأرقام الأساسية للمشروع عن ثلاثة تحديات رئيسية تواجه السياسة المالية العراقية، تتمثل في ارتفاع حجم الإنفاق العام واستمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية واتساع الحاجة إلى أدوات تمويل العجز.
كما يبرز تساؤل بشأن قدرة الحكومة على تعزيز الإيرادات غير النفطية وتوسيع القاعدة الإنتاجية، بما يضمن تقليل الاعتماد على الاقتراض والموارد النفطية في السنوات المقبلة.
ويضع المشروع، في حال اعتماده، الحكومة والبرلمان أمام مسؤولية تحقيق التوازن بين الوفاء بالالتزامات التشغيلية والاجتماعية وتمويل مشاريع التنمية والمحافظة على الاستقرار المالي.







