حرية
بقلم د : نادية الجدوع
خبيرة استراتيجية اقتصادية
لم يعد الاقتصاد في النظام الدولي المعاصر مجرد مؤشرات للنمو أو حسابات للإيرادات والإنفاق، بل تحول إلى أداة استراتيجية لإنتاج القوة وإعادة توزيع النفوذ وصياغة المصالح بين الدول.
فالدولة التي تحسن إدارة مواردها، وتضبط سياستها النقدية، وتبني قاعدة إنتاجية متينة، لا تحقق الاستقرار المالي فحسب، بل تعزز استقلال قرارها السياسي وقدرتها على المناورة وسط منافسة جيو اقتصادية متصاعدة.
ويتمثل جوهر الاقتصاد السياسي في فهم العلاقة بين السلطة والثروة، وكيفية توظيف الأدوات المالية والتجارية والاستثمارية لحماية المصالح الوطنية.
فسعر الصرف، والسياسة الضريبية، وإدارة الدين العام، وتنويع مصادر الدخل، ليست ملفات فنية منفصلة، بل خيارات سيادية تحدد قدرة الدولة على مواجهة الصدمات واحتواء الاختلالات وتحويل مواردها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
وفي العراق، تبرز الحاجة إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، تدعمه الصناعة والزراعة والاستثمارات، وتقوم إدارته على الإنتاجية والحوكمة الرشيدة والرقابة المؤسسية.
فالقوة الاقتصادية لا تُقاس بحجم الموارد وحده، بل بكفاءة إدارتها، وقدرة المؤسسات على تحويلها إلى فرص عمل وتنمية مستدامة، وعدالة في توزيع عوائدها.
وتؤكد هذه الرؤية أن السيادة الاقتصادية ليست شعاراً سياسياً، بل قدرة مؤسسية على اتخاذ القرار وحماية المصالح الوطنية والتخطيط للمستقبل.
فعندما يستند الاقتصاد إلى الإنتاج والانضباط المالي والتخطيط الاستراتيجي، لا تبقى الدولة مجرد متلقية لتغيرات موازين القوة الدولية، بل تمتلك أدوات أوسع للتأثير فيها وإعادة تشكيلها.







