حرية
لم تكن زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى المملكة العربية السعودية ولقاؤه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يوم الأربعاء 14 تشرين الأول 2026 مجرد زيارة دبلوماسية تقليدية بين دولتين جارتين بل جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية تتداخل فيه التحديات الأمنية مع المصالح السياسية والاقتصادية وتتصاعد فيه المخاوف من اتساع المواجهات العسكرية وتحول أراضي بعض دول المنطقة إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.
وتكتسب الزيارة أهمية استثنائية باعتبارها الأولى للزيدي إلى المملكة منذ توليه رئاسة الحكومة العراقية في أيار الماضي فضلا عن تزامنها مع هجمات استهدفت منشآت مدنية وحيوية سعودية وفي مقدمتها مطار الملك خالد الدولي في الرياض الأمر الذي وضع العلاقات العراقية السعودية أمام اختبار يتعلق بالثقة المتبادلة وقدرة بغداد على ضمان عدم استخدام أراضيها لتهديد أمن جيرانها.
وعن هذا الموضوع، يقول المحلل السياسي مجاشع التميمي في حديث لـ(حرية)، إن”توقيت الزيارة يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز البروتوكول، خصوصا بعد تأجيلها أكثر من مرة وتصاعد التهديدات الإقليمية”، مبينا أن”الرياض تريد معرفة مدى جدية بغداد في حماية أمنها، فيما يسعى الزيدي إلى بناء علاقة تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الأمني، بعيدا عن الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية التقليدية”.
ويضيف، أنه”لا يمكن فصل الزيارة عن ملف حصر السلاح بيد الدولة، لأن أمن السعودية يرتبط بقدرة بغداد على منع الجماعات المسلحة من اتخاذ الأراضي العراقية منصة للهجمات وقد تطلب الرياض إجراءات ميدانية واستخبارية ومحاسبة للمسؤولين، لا بيانات سياسية فقط”.
وتطرح الزيارة أسئلة تتجاوز البيانات الرسمية وفي مقدمتها لماذا اختار الزيدي الرياض في هذا التوقيت وما الرسائل التي حملها إلى القيادة السعودية وهل تستطيع الحكومة العراقية تحويل تعهداتها السياسية إلى ضمانات أمنية فعلية وما الذي يمكن أن يحققه العراق من إعادة بناء الثقة مع المملكة وهل يمكن أن تشكل هذه الزيارة بداية لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين؟
ويوضح التميمي بهذا السياق، أن”الزيدي يمتلك الصلاحيات الدستورية بصفته القائد العام للقوات المسلحة، لكن الصلاحية القانونية لا تعني السيطرة الفعلية الكاملة، فنجاحه يتوقف على قدرة الأجهزة الأمنية على تحديد منصات الإطلاق، وتعقب المنفذين، واعتقالهم ومحاسبتهم، خصوصا في ميسان، أما الضمانات الحقيقية فتُقاس بمنع تكرار الهجمات على السعودية، لا بالتعهدات وحدها”.
وحمل رئيس الوزراء العراقي إلى القيادة السعودية رسالة سياسية وأمنية واضحة تمثلت في إدانة الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي والمنشآت المدنية والحيوية السعودية والتأكيد على عدم السماح باستخدام الأراضي العراقية منطلقا لأي اعتداءات أو أعمال تمس أمن المملكة أو بقية دول المنطقة.
من جانبه، يقول عضو ائتلاف دولة القانون زهير الجلبي في حديث لـ(حرية)، إنه”زيارة الزيدي إلى السعودية جاءت بعد زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك إلى العراق أيضاً”.
وبشأن موقف قادة الإطار التنسيقي من الزيارة، يضيف: “لا أعتقد أنه وجود توافق في داخلهم بهذا الخصوص، ولكن عليهم ضغوط كثيرة، خاصة أن العراق الآن لا يريد التدخل بأي بخصوص الصراع ما بين اليمن والسعودية، وكذلك صراع إيران والولايات المتحدة الأمريكية”.
وعن الضمانات التي قد قدمها الزيدي للقيادة السعودية بشأن عدم استهدافها مرة أخرى، يوضح الجلبي، أنه”لا يستطيع منع تكرار الاعتداءات، وهذا موضوع لا أعتقد أنه يسيطر عليه كثيراً، ولكن الفصائل الآن تتناغم بعض الشيء مع موضوع عدم إدخال العراق في مشاكل والتهدئة والنأي بنفسها عن أي مشاكل في الوقت الحاضر، لأن العراق يعتبر مركز قوة في المنطقة”.
وتزداد صعوبة هذه المعادلة في ظل تعدد القوى السياسية والمسلحة وتباين مواقفها من الصراعات الإقليمية وهو ما يجعل حصر السلاح بيد الدولة وتوحيد القرار الأمني من أبرز التحديات التي تواجه بغداد، إلا أن الجلبي يشير إلى، أن”عدم وجود موقف موحد من الإطار بشأن تنظيم السلاح”، مبينا أن”موضوع سحب السلاح معقد ويحتاج وقت كثير يعني حتى تزال الأسباب الحقيقية لعملية سحب السلاح”.
ويتحدث، عن عدم وجود إمكانية لفرض شروط على الفصائل، ويقول، إن”الفصائل تسحب سلاحها عندما تجد أنه لا يوجد حاجة وليست بأوامر وعندما تصدر السلاح تصدره بدون أي التزامات وبدون أي شروط”.
وعكست التغطيات الإعلامية السعودية اهتماما واضحا بالبعد الأمني للزيارة وبالتعهد العراقي بعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية لتهديد أمن المملكة.
فقد أبرزت صحيفة عكاظ موقف الزيدي بشأن منع استخدام الأراضي العراقية لاستهداف السعودية فيما ركزت صحيفة أخبار 24 وصحيفة عاجل على المباحثات المتعلقة بالتطورات الإقليمية وتعزيز التنسيق الأمني بين البلدين.
أما صحيفة سعودي غازيت فقد سلطت الضوء على إدانة رئيس الوزراء العراقي للهجمات التي استهدفت المنشآت السعودية وتأكيد بغداد التزامها بمبادئ حسن الجوار واحترام السيادة.
وفي المقابل تناولت العربية والحدث الزيارة من زاوية أوسع شملت التحديات الأمنية وفرص التعاون الاقتصادي ومساعي تعزيز العلاقات الثنائية في ظل التوترات الإقليمية.
وتشير هذه التغطيات إلى أن الرسالة الأمنية العراقية كانت المحور الأبرز في الاهتمام الإعلامي السعودي فيما حضرت فرص التعاون الاقتصادي بوصفها أحد المسارات المحتملة لتطوير العلاقات.
ماذا بعد زيارة الرياض؟
وتضع نتائج اللقاء الحكومة العراقية أمام استحقاقات عملية يمكن من خلالها قياس مدى نجاح التحرك الدبلوماسي.
ويأتي في مقدمتها استكمال التحقيقات المتعلقة بالهجمات التي انطلقت من الأراضي العراقية وإعلان نتائجها والإجراءات القانونية المتخذة بحق الجهات التي يثبت تورطها.
كما تبرز أهمية تطوير التعاون الأمني والاستخباري بين بغداد والرياض من خلال آليات مؤسسية واضحة تسمح بتبادل المعلومات ومنع التهديدات مع احترام سيادة البلدين.
أما على المستوى الاقتصادي فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الحديث عن الفرص الاستثمارية إلى تحديد مشاريع مشتركة قابلة للتنفيذ ووضع جداول زمنية وآليات متابعة وتقييم.
ويبقى الاستحقاق الأكثر أهمية داخليا هو قدرة الحكومة العراقية على تعزيز احتكار الدولة لقرار استخدام القوة ومنع أي جهة من اتخاذ إجراءات عسكرية قد تعرض أمن العراق وعلاقاته الخارجية للخطر.







