حرية
يمثل قرار وزارة الخزانة الأمريكية رفع القيود عن عدد من شركات الصرافة العراقية تطوراً في مسار تنظيم سوق العملة الأجنبية، لكنه يتجاوز مسألة السماح لهذه الشركات باستئناف بيع الدولار للمسافرين، ليطرح تساؤلات بشأن آليات الامتثال التي باتت تحكم نشاط القطاع المالي العراقي، ومدى قدرة الشركات المشمولة على استعادة دورها ضمن القنوات الرسمية.
فالقرار، الذي أعلنه البنك المركزي العراقي، جاء بعد التحقق من استيفاء الشركات المعنية معايير الامتثال المعتمدة، في إشارة إلى أن العودة إلى عمليات بيع الدولار ترتبط بمتطلبات رقابية محددة، وليست إجراءً تلقائياً يشمل جميع شركات الصرافة.
كما أن عدم إعلان أسماء الشركات وعددها يترك حجم التأثير الفعلي للقرار مرتبطاً بما ستكشفه الإجراءات التنفيذية خلال المرحلة المقبلة.
وتبرز أهمية هذه الخطوة في ظل حساسية ملف الدولار داخل العراق، حيث لا يرتبط توفير العملة الأجنبية باحتياجات السفر والتحويلات التجارية فحسب، بل يتصل أيضاً بقدرة المؤسسات المالية على الالتزام بالضوابط المنظمة للتعاملات الخارجية.
ولهذا، فإن رفع القيود عن الشركات التي استوفت الشروط يمكن أن يمنحها فرصة لاستعادة نشاطها ضمن المسارات الرسمية، مع إبقاء مسؤولية الالتزام بالمعايير الرقابية قائمة بعد عودتها إلى العمل.
الامتثال بوابة العودة إلى التعامل بالدولار
خلال السنوات الماضية، أصبح الامتثال المالي محوراً أساسياً في العلاقة بين المؤسسات المالية العراقية والجهات الأمريكية المعنية بمراقبة حركة الدولار.
وتدفع القيود المفروضة على بعض المؤسسات المصرفية والمالية باتجاه تشديد إجراءات التدقيق في التحويلات والتعاملات، والتحقق من مصادر الأموال والجهات المستفيدة منها.
وفي هذا السياق، لا تقتصر دلالة القرار الأخير على إعادة فتح باب بيع الدولار أمام المسافرين، بل تعكس أيضاً أهمية استكمال المتطلبات الرقابية لاستعادة النشاط المالي. فالشركات التي تتمكن من استيفاء المعايير تستطيع العودة إلى العمليات المسموح بها، فيما تبقى الشركات الأخرى مطالبة بمعالجة أوجه القصور التي تحول دون مشاركتها في تلك العمليات.
وكان البنك المركزي العراقي قد أعلن في شباط 2026 قوائم للمصارف وشركات الصرافة المقيدة من التعامل بالدولار إلى حين استكمال متطلبات الإصلاح والامتثال، ضمن الإجراءات الرامية إلى تنظيم سوق العملة وتعزيز الرقابة على التعاملات المالية.
المسافر أمام سؤال توافر الدولار
وعلى مستوى المواطنين، تتركز أهمية القرار في مدى انعكاسه على سهولة الحصول على الدولار المخصص للسفر عبر الشركات المخولة. فعودة شركات إضافية إلى النشاط قد توسع نطاق الجهات التي يمكن للمسافرين مراجعتها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة زيادة فورية في كميات الدولار المتاحة أو انخفاضاً تلقائياً في كلف الحصول عليه.
ويتوقف هذا الأثر على عدد الشركات التي شملها القرار، وحجم المبيعات التي ستنفذها، ومواعيد استئناف نشاطها، فضلاً عن استمرار العمل بالتعليمات المنظمة لحصول المسافرين على العملة الأجنبية. وحتى الآن، لم يحدد بيان البنك المركزي أسماء الشركات المشمولة أو موعد عودتها الفعلية إلى عمليات البيع.
ويأتي ذلك بعد أن أفادت مصادر مصرفية في أيلول الماضي بأن البنك المركزي قلّص عدد مرات حصول المسافر على الدولار بالسعر الرسمي إلى مرتين سنوياً بدلاً من مرة شهرياً، ضمن إجراءات تنظيم توزيع العملة الأجنبية وهذا يعني أن رفع القيود عن بعض الشركات يجب قراءته إلى جانب الضوابط الأخرى التي تحكم حصول المسافرين على الدولار، لا بوصفه تغييراً شاملاً في سياسة البيع أو ضماناً بتوافر العملة لجميع الطلبات.
هل ينعكس القرار على سوق الصرف؟
ويبقى تأثير القرار في سوق الصرف مرتبطاً بحجم النشاط الذي ستستعيده الشركات المشمولة، وبمدى قدرة القنوات الرسمية على تلبية الطلب وفق التعليمات النافذة.
فإذا أدت العودة إلى توسيع منافذ البيع وتسهيل الإجراءات للمسافرين، فقد تسهم في تحسين الوصول إلى الدولار المخصص للسفر عبر القنوات المعتمدة. أما إذا كان عدد الشركات محدوداً أو بقيت كميات البيع خاضعة للضوابط السابقة، فقد يظل الأثر المباشر محدوداً.
كذلك، لا يمكن اعتبار القرار مؤشراً كافياً وحده على تغير سعر الدولار في السوق الموازية؛ لأن هذا السعر يتأثر بعوامل متعددة، من بينها حجم الطلب على العملة الأجنبية، وإجراءات التحويلات، ومدى توافر الدولار عبر القنوات الرسمية، والتطورات المتعلقة بالتجارة الخارجية.
ومن هنا، فإن المؤشرات الأهم بعد الإعلان تتمثل في نشر أسماء الشركات التي رُفعت عنها القيود، وتحديد موعد استئناف عملياتها، ومتابعة حجم مبيعات الدولار للمسافرين، ومدى انعكاس ذلك على سهولة الحصول على العملة.
في المحصلة، يفتح القرار المجال أمام عدد من شركات الصرافة العراقية لاستعادة نشاط محدد بعد استيفاء متطلبات الامتثال، لكنه لا يمثل بحد ذاته إنهاءً لجميع القيود المفروضة على القطاع. وستتضح أهميته العملية من خلال التنفيذ، وعدد الشركات العائدة، ومدى استفادة المسافرين من توسيع قنوات البيع، إلى جانب استمرار الرقابة على التعاملات بالدولار.







