رغد بنت زيد
لم تعد ظاهرة “الفاشنستا” و”البلوكر” مجرد نشاط ترفيهي على مواقع التواصل بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى صناعة ضخمة تدر ملايين الدولارات وسط اتهامات متزايدة بأنها ساهمت في ضرب أسس العمل المهني والإعلاني التقليدي وخلقت نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على الاستعراض والجدل والإثارة بدلًا من الكفاءة والخبرة والإنتاج الحقيقي.
ففي وقت تدفع فيه شركات الدعاية والإعلان والمطاعم والمتاجر والمكاتب المهنية الضرائب والإيجارات ورواتب الموظفين وتكاليف الإنتاج يظهر بعض صناع المحتوى بمقاطع قصيرة داخل سيارة فارهة أو مطعم فاخر أو عبر رقصات وإيحاءات مثيرة للجدل ليحققوا خلال ساعات أرباحًا قد تفوق ما تجنيه شركات كاملة خلال أشهر من العمل.
اقتصاد الترند.. حين أصبحت الإثارة بديلاً عن المهنية
يرى مختصون في الإعلام الرقمي أن خوارزميات مواقع التواصل لا تكافئ الجودة أو القيمة بل تكافئ المحتوى الصادم والمثير للجدل وهو ما دفع كثيرًا من الفاشنستات إلى استخدام أساليب قائمة على الاستعراض الجسدي والحياة الباذخة والمشاهد المثيرة من أجل رفع نسب المشاهدة والتفاعل.
وبدلًا من أن يتابع الجمهور محتوى ثقافيًا أو مهنيًا أو إعلاميًا حقيقيًا باتت ملايين المشاهدات تُمنح لمقاطع قصيرة تعتمد على:
- الرقص والإيحاءات.
- استعراض الأموال والسيارات الفارهة.
- تصوير الحياة اليومية بطريقة استعراضية مبالغ بها.
- افتعال المشاكل والخلافات.
- الترويج لعمليات تجميل ومنتجات استهلاكية بلا ضوابط.
هذا التحول خلق بيئة رقمية يرى منتقدون أنها تكرّس “ثقافة التفاهة” حيث أصبحت الشهرة تُقاس بحجم الجدل لا بقيمة المحتوى.
خسائر تضرب الشركات المهنية
قبل صعود المؤثرين كانت الشركات الإعلانية تعتمد على فرق متخصصة تضم:
- مصورين.
- كتاب محتوى.
- مخرجين.
- خبراء تسويق.
- مصممين.
- باحثين في سلوك المستهلك.
هذه الشركات كانت تتحمل تكاليف تشغيل ضخمة تشمل الضرائب والإيجارات ورواتب العاملين والتراخيص القانونية مقابل إنتاج حملات إعلانية احترافية ومدروسة.
لكن مع صعود الفاشنستات بدأت كثير من العلامات التجارية تتجه نحو “الإعلان الأرخص والأسرع” عبر دفع الأموال مباشرة لمؤثرة تمتلك ملايين المتابعين حتى لو كان المحتوى سطحيًا أو خاليًا من أي قيمة مهنية.
وبحسب تقارير تسويق رقمية فإن كثيرًا من الشركات خفّضت إنفاقها على الوكالات الإعلانية التقليدية لصالح التسويق عبر المؤثرين بسبب انخفاض التكلفة وسرعة الوصول للجمهور.
النتيجة بحسب عاملين في القطاع كانت:
- إغلاق شركات إنتاج صغيرة.
- تسريح موظفين.
- تراجع قيمة العمل الاحترافي.
- انهيار معايير الجودة الإعلانية.
- صعود المحتوى السريع والسطحي على حساب الحملات المدروسة.
هل تعلم أيها المعلن؟
هل تعلم أنك عندما تدفع آلاف الدولارات لفاشنستا أو مشهور كي يعلن عن منتجك فأنت في الحقيقة لا تبني اسم شركتك بقدر ما تبني شهرة ذلك الشخص؟
فالجمهور غالبًا لا يتذكر اسم المنتج بل يتذكر الفاشنستا التي ظهرت داخل السيارة الفارهة أو المطعم الفخم أو وهي تستعرض حياتها الخاصة أمام الكاميرا.
أنت تدفع من ميزانية شركتك لكي:
- يزداد عدد متابعيها.
- ترتفع أسعار إعلاناتها.
- تكبر شهرتها ونفوذها.
- تتحول هي إلى “علامة تجارية” أقوى من منتجك نفسه.
أما منتجك فيتحول إلى مجرد “إكسسوار” داخل فيديو استعراضي هدفه الحقيقي زيادة التفاعل والمشاهدات لصاحب الحساب لا بناء هوية حقيقية للشركة.
والأخطر أن كثيرًا من المشاهير يستطيعون في اليوم التالي الترويج لمنافسك مباشرة دون أي ولاء حقيقي لأن العلاقة ليست مع المنتج بل مع المال وعدد المشاهدات.
من أين تأتي كل هذه الأموال؟
أحد أكثر الملفات إثارة للجدل يتعلق بالمصادر المالية الضخمة لبعض الفاشنستات خصوصًا مع الاستعراض المستمر للسيارات الفارهة والسفر الفخم والهدايا الباهظة.
وفي عدد من الدول فُتحت بالفعل تحقيقات مرتبطة بغسل الأموال والتهرب الضريبي واستغلال الإعلانات الوهمية عبر حسابات مشاهير ومؤثرين.
ويحذر مختصون اقتصاديون من أن بعض الحسابات قد تُستخدم كواجهة لتدوير الأموال عبر:
- الإعلانات غير الواضحة المصدر.
- الهدايا الفاخرة.
- الترويج لشركات وهمية.
- تضخيم أسعار الإعلانات بشكل غير منطقي.
- شراء المشاهدات والمتابعين لتبرير التدفقات المالية.
ورغم أن ذلك لا ينطبق على جميع المؤثرين فإن غياب الرقابة القانونية والضريبية الواضحة في كثير من الدول العربية جعل هذا القطاع بيئة مثالية للفوضى المالية.
وهم الثراء السريع
أخطر ما أنتجته هذه الظاهرة بحسب مختصين اجتماعيين هو خلق نموذج زائف للنجاح لدى الشباب.
فبدلًا من ربط النجاح بالدراسة أو الخبرة أو العمل الحقيقي أصبحت الشهرة السريعة والثروة المفاجئة هدفًا للكثيرين خصوصًا مع رؤية أشخاص يحققون آلاف الدولارات يوميًا عبر محتوى ترفيهي سطحي.
هذا المشهد دفع أعدادًا كبيرة من الشباب إلى محاولة تقليد الفاشنستات بحثًا عن “الترند” بأي وسيلة حتى لو كان ذلك عبر:
- الإساءة للذوق العام.
- نشر محتوى مبتذل.
- افتعال الفضائح.
- تجاوز الحدود الأخلاقية والاجتماعية.
ويرى نقاد أن المنصات الرقمية نفسها تتحمل جزءًا من المسؤولية لأنها تمنح الانتشار الأكبر للمحتوى الأكثر إثارة للجدل وليس الأكثر فائدة أو جودة.
الإعلان لم يعد إعلانًا.. بل استعراض حياة
في السابق كانت الإعلانات تروّج لمنتج أو خدمة أما اليوم فأصبحت كثير من الحسابات تبيع “أسلوب حياة” قائمًا على المظاهر والاستهلاك المفرط.
فالمطاعم والسيارات والملابس الفاخرة لم تعد مجرد سلع بل أدوات لصناعة الانبهار وجذب التفاعل حتى لو كان ذلك على حساب القيم المهنية والاجتماعية.
وفي ظل هذا الواقع تجد الشركات التقليدية نفسها أمام معادلة صعبة:
إما الدخول في سباق “الترند” والإثارة أو خسارة الجمهور أمام محتوى أسرع وأخف وأكثر جذبًا للخوارزميات.
هل يمكن ضبط هذه الفوضى؟
تتجه عدة دول اليوم إلى فرض قوانين أكثر صرامة على الإعلانات الرقمية والمؤثرين تشمل:
- إلزامهم بالكشف عن الإعلانات المدفوعة.
- فرض ضرائب على الأرباح الرقمية.
- مراقبة مصادر الأموال.
- معاقبة المحتوى المخالف للآداب العامة أو المضلل.
لكن خبراء يرون أن المشكلة أعمق من مجرد قوانين لأنها ترتبط بثقافة رقمية كاملة جعلت الشهرة السريعة هدفًا بحد ذاته حتى لو كانت قائمة على التفاهة أو الاستعراض أو الإثارة الرخيصة.
وفي عالم تحكمه الخوارزميات يبدو أن المعركة لم تعد بين “الإعلان التقليدي” و”المؤثرين” بل بين المحتوى المهني الذي يحتاج وقتًا وجهدًا والمحتوى السريع الذي يحقق المال عبر الجدل والضجيج مهما كانت قيمته الحقيقية.






