أليكس ودوارد
عندما وقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، كان ممسكاً بسلطات رئاسية تفوق ما تمتع به أي رئيس أميركي منذ أجيال. وبرأي خبراء قانونيين وعدد من قضاة “المحكمة العليا” الأميركية فإن هذه الصلاحيات تتجاوز، في بعض جوانبها، السلطة التي كان يتمتع بها الملوك الذين خاض الأميركيون ثورتهم للتحرر منهم.
مستنداً إلى دعم المحكمة العليا التي تميل بصورة متزايدة إلى تأييد المعارك القانونية التي تتبناها إدارته، ومن دون قيود فعلية من كونغرس يهيمن عليه الجمهوريون ولا يبدي اهتماماً كبيراً بمبدأ الضوابط والتوازنات، يدخل ترمب الفصل التالي من التاريخ الأميركي، مختبراً إلى أي مدى ابتعد النظام السياسي عما قامت عليه الجمهورية قبل قرنين ونصف القرن.
ويتجلى ذلك بوضوح في المعارك القضائية التي تخوضها إدارته. ففي مواجهة عشرات الدعاوى المرفوعة ضد الرئيس، تبنى محاموه نظرية قانونية تمنحه، عملياً، سلطة شبه مطلقة على أجهزة الحكومة الفيدرالية.
ولم يقتصر الأمر على دفوع الإدارة، بل بدا أن “المحكمة العليا”، في أحد آخر أحكامها خلال دورتها الحالية، تميل إلى تبني نظرية “السلطة التنفيذية الموحدة” Unitary Executive، التي يرى ترمب أنها تخوله بسط سيطرته الكاملة على السلطة التنفيذية، بما يشمل عشرات الوكالات الفيدرالية وملايين الموظفين العاملين فيها.
وإذا ترسخ هذا التوجه، فإن الحكم التاريخي في قضية “ترمب ضد سلوتر” Trump v Slaughter قد يمهد الطريق أمام الرئيس لتوجيه أجهزة إنفاذ القانون الفيدرالية لملاحقة خصومه من دون خشية من المساءلة، وإخضاع الوكالات المستقلة لإرادته، بل وحتى شن عمليات عسكرية من دون موافقة الكونغرس. وبعبارة أخرى، قد يواصل ترمب بسط نفوذه على مؤسسات يفترض أنها مستقلة، وتسخيرها لخدمة أولوياته السياسية بدلاً من أداء وظائفها الأصلية.
ولم يكن ذلك وليد الصدفة. فعندما عاد دونالد ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي، عاد وهو يمتلك الأدوات والفريق اللازمين لتنفيذ مشروع واسع لإعادة تشكيل مؤسسة الرئاسة بما ينسجم مع رؤيته، فيما انتشرت صوره على لافتات ضخمة علقت على مبانٍ حكومية في أنحاء واشنطن.
وبعدما أخفق في تمرير معظم أجندته عبر الكونغرس، لجأ الرئيس بدلاً من ذلك إلى إصدار موجة من الأوامر التنفيذية التي منحته وهماً بالسلطة المطلقة، متحدياً منتقديه أن يرفعوا دعاوى ضده، وواضعاً دستور البلاد أمام امتحان عسير.
ولقيت محاولات ترمب توسيع سلطاته عبر الأوامر التنفيذية استجابة متباينة في المحاكم. فكلما صدر حكم ضده، هاجم القضاة، بمن فيهم بعض من عيّنهم بنفسه، واصفاً إياهم بالفاسدين، أو داعياً إلى عزلهم، بل واتهم بعضهم بارتكاب جرائم، معبراً في الوقت نفسه عن استغرابه من أن يمتلك أي قاض سلطة إبطال قرار صادر عن الرئيس.
لكن هذا النهج لم يمنعه من تحقيق انتصارات قضائية مهمة أمام “المحكمة العليا”. فبعد إقالته، العام الماضي، عضواً ديمقراطياً في “لجنة التجارة الفيدرالية” Federal Trade Commission، ألغت الغالبية المحافظة في المحكمة سابقة قضائية استمرت قرابة قرن، كانت تقيد سلطة الرئيس في إقالة رؤساء الهيئات التنظيمية المستقلة.
ووسع ذلك الحكم نطاق السلطات الرئاسية في عهد ترمب، إذ بدا أنه يمنحه غطاءً لإقالة المسؤولين المستقلين الذين يرفضون تنفيذ رغباته، وإعادة الإدارة الفيدرالية إلى نظام يقوم على مكافأة الموالين.
وأثار هذا التوجه اعتراضاً حاداً من القضاة الليبراليين. ففي رأيها المخالف، الذي انضمت إليه إيلينا كيغان وكيتانجي براون جاكسون، كتبت القاضية سونيا سوتومايور أن “المحكمة تمنح الرئيس سلطة لم تكن معروفة حتى للتاج الإنجليزي الذي ثار عليه الآباء المؤسسون”.
وسبق أن اتخذت الغالبية المحافظة توجهاً مشابهاً عام 2024، حين منحت ترمب حصانة واسعة من الملاحقة الجنائية عن الأفعال المرتبطة بمهامه “الرسمية”، مما أدى عملياً إلى إسقاط القضايا الجنائية المرفوعة ضده.
ورأت سوتومايور أن الحكم الأخير، الذي يوسع صلاحيات الرئيس، يقوم على “نظرية مرتجلة في السلطة التنفيذية”، محذرة من أنه يفتح الباب أمام “الفوضى”. وأضافت أن “النتيجة هي رئيس يتمتع بصلاحيات أوسع بكثير مما عرفته الولايات المتحدة في أي وقت مضى”، وأن هذه السلطة “لم يمنحها له الشعب، ولا الكونغرس، ولا الدستور”. وختمت بالقول إن المحكمة، بمنحها الرئيس هذه السلطات غير المقيدة، “تنقلب على سوابقها القضائية، وتسيء قراءة تاريخنا، وتتخلى عن أي مظهر من مظاهر الرصانة القضائية”.
وكانت القاضية كيتانجي براون جاكسون قد وجهت انتقاداً مشابهاً في العام الماضي، متهمة القضاة المحافظين بتحريف القانون، عبر سلسلة من الأحكام، لضمان أن “يفوز ترمب دائماً”. واستعارت في ذلك لعبة “كالفنبول” Calvinball من سلسلة “كالفن وهوبز”، فكتبت: “إنه فقه قضائي على طريقة كالفنبول، لكن مع تعديل واحد. فاللعبة لها قاعدة واحدة هي أن لا قواعد ثابتة، أما هنا فهناك قاعدتان: تلك القاعدة، وأن هذه الإدارة تفوز دائماً”.
أما ترمب فقال، في تصريحات أدلى بها من ولاية “نورث داكوتا” الأربعاء الماضي، إن القرار “يعيد السلطة إلى الرئيس في وقت يحتاج فيه الرئيس فعلاً إلى مزيد منها”.
وكتب عبر حسابه على منصة “تروث سوشيال”: “هذا الحكم يعيد صلاحيات إضافية هائلة إلى الرئاسة، إلى المكان الذي تنتمي إليه”.
وقالت ريبيكا سلوتر، مفوضة “لجنة التجارة الفيدرالية” التي أقيلت وكانت محور هذه القضية، إن الحكم جعلها تشعر بأنها “حزينة على أميركا”.
وأضافت في حديثها إلى برنامج “أم أس ناو” MS NOW: “إنني قلقة للغاية من مستقبل يستطيع فيه رئيس مثل ترمب استخدام هذه الصلاحيات التنفيذية الواسعة التي منحتها له المحكمة العليا للتو، لمكافأة أصدقائه ومعاقبة أعدائه، من دون أي محاسبة”.
أما أليكس فريزر، نائبة الرئيس لشؤون الحملات في منظمة “إيشو وان” Issue One المعنية بإصلاح تمويل الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة، فقالت إن هذا القرار “يطلق موجة من القرارات الحكومية القائمة على أهواء الرئيس ومصالحه الشخصية”.
وأضافت أن “هذا القرار يسهم في تكريس نهج مستمر منذ عقود، عمد خلاله رؤساء ديمقراطيون وجمهوريون على حد سواء إلى تركيز الصلاحيات التي يمنحها الدستور للكونغرس في أيديهم. فالدستور يؤكد مبدأ الفصل بين السلطات لضمان ألا يكون أي فرع من فروع الحكومة فوق النقد أو المحاسبة. غير أن حكم المحكمة يقوض هذا التوازن بدلاً من ترسيخه، ويركز مزيداً من السلطة في يدي الرئيس”.






