حرية
تكشف عملية ضبط ستة موظفين في إحدى دوائر البلدية بمحافظة الأنبار، بينهم معاون المدير ورؤساء وأعضاء لجنتي التنفيذ والاستلام، عن واحدة من أكثر الثغرات حساسية في إدارة المال العام: إمكانية تمرير الأموال الحكومية عبر سلسلة من التواقيع واللجان، حتى عندما لا يكون المشروع موجوداً على أرض الواقع.
وبحسب هيئة النزاهة الاتحادية، فإن المتهمين ضُبطوا على خلفية صرف وتسلم سلفة مالية مخصصة لمشروع تأهيل وصيانة طرق ناحية الصقلاوية، وصفته الهيئة بأنه مشروع «وهمي». وقرر قاضي التحقيق المختص بالنظر في قضايا النزاهة في الرمادي توقيف المتهمين وفق أحكام المادة 340 من قانون العقوبات.
عندما تتحول اللجان إلى غطاء للصرف
أهمية القضية لا تكمن فقط في قيمة السلفة أو عدد المتهمين، وإنما في طبيعة المواقع الوظيفية التي يشغلونها داخل منظومة تنفيذ المشروع.
فوجود معاون مدير ورئيس وأعضاء لجنة تنفيذ ورئيس وأعضاء لجنة استلام ضمن القضية، وفق ما أعلنته الهيئة، يطرح سؤالاً أوسع: كيف يمكن لمشروع غير منفذ أن يمر عبر حلقات يفترض أنها صُممت أصلاً لمنع التلاعب؟
المشكلة هنا، إذا أثبتتها التحقيقات والأحكام القضائية، لا تكون مجرد تصرف فردي لموظف واحد، وإنما خللاً في منظومة الرقابة نفسها؛ لأن المشاريع الحكومية يفترض أن تمر بمراحل متعددة من التخطيط والإحالة والصرف والتنفيذ والاستلام.
وعندما تتفق عدة حلقات على تمرير مشروع غير موجود، تصبح اللجان التي يفترض أن تكون أدوات رقابة جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون وسيلة لمنعها.
الصقلاوية.. المشروع الوهمي يكشف سؤالاً أكبر
مشاريع تأهيل الطرق والخدمات البلدية من أكثر القطاعات التي تحتاج إلى رقابة ميدانية مباشرة، لأنها مرتبطة بأعمال يمكن التحقق منها على الأرض.
فهل أُنجزت أعمال فعلية؟ هل وصلت المواد إلى الموقع؟ هل باشرت الشركة أو الجهة المنفذة العمل؟ هل توجد كشوفات هندسية حقيقية؟ وهل تتطابق نسب الإنجاز مع الأموال المصروفة؟
هذه الأسئلة هي جوهر مكافحة هذا النوع من الفساد.
والأهم أن الرقابة لا ينبغي أن تنتظر وصول الملف إلى هيئة النزاهة بعد صرف الأموال، بل يجب أن تبدأ قبل الصرف وتستمر أثناء التنفيذ وبعده، مع ربط الدفعات المالية بنسب إنجاز يمكن التحقق منها ميدانياً وبالصور والخرائط والكشوفات الهندسية الموثقة.
«المشروع الوهمي» أخطر من الرشوة الفردية
الفساد في المشاريع لا يقتصر على سرقة مبلغ مالي، بل يخلق خسارة مزدوجة للدولة والمواطن.
فالدولة تخسر المال الذي صُرف، والمواطن يخسر المشروع الذي كان يفترض أن يحصل عليه.
وفي حالة الطرق تحديداً، فإن عدم تنفيذ مشروع الصيانة يعني استمرار تدهور البنية التحتية، وارتفاع تكاليف النقل، وزيادة الأضرار التي تتحملها المركبات، فضلاً عن تأثير ذلك في النشاط الاقتصادي والخدمي للسكان.
ولهذا فإن مكافحة المشاريع الوهمية يجب ألا تتعامل معها باعتبارها مجرد مخالفات مالية، وإنما باعتبارها اعتداءً على حق المواطن في الخدمة العامة.
المطلوب ليس توقيف الموظفين فقط
عملية الضبط تمثل خطوة مهمة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيف.
فالتحقيق ينبغي أن يكشف ليس فقط من وقّع ومن تسلم الأموال، وإنما من أنشأ المشروع، ومن وافق عليه، ومن خصص الأموال، ومن أطلق السلفة، ومن صادق على نسب الإنجاز، ومن كان يفترض أن يراقب التنفيذ.
كما ينبغي تحديد مصير الأموال المصروفة، وما إذا كانت قد وُزعت بين أكثر من طرف، وما إذا كانت هناك مشاريع أخرى بالطريقة نفسها.
وفي حال ثبوت التهم، فإن القضية تصبح نموذجاً مهماً يمكن من خلاله مراجعة ملفات المشاريع المماثلة في الدائرة نفسها، وربما في دوائر بلدية أخرى، بحثاً عن نمط متكرر وليس حادثة منفردة.
من «الورقي» إلى الرقابة الميدانية
هذه القضية تعيد طرح الحاجة إلى نقل الرقابة الحكومية من الاعتماد المفرط على الملفات الورقية إلى التحقق الإلكتروني والميداني.
فمن الصعب تمرير مشروع وهمي إذا كانت كل مرحلة مرتبطة بنظام إلكتروني يظهر موقع المشروع، ونسبة الإنجاز، والجهة المنفذة، والدفعات المصروفة، مع توثيق ميداني مستقل قبل إطلاق أي سلفة أو دفعة جديدة.
كما أن إشراك جهات رقابية مستقلة في المشاريع ذات القيم المالية الكبيرة يمكن أن يقلل من احتمالات تواطؤ اللجان المحلية، خصوصاً عندما تكون جميع حلقات الموافقة والتنفيذ والاستلام داخل الدائرة الحكومية نفسها.
رسالة إلى منظومة الإنفاق العام
عملية الأنبار تحمل رسالة تتجاوز المتهمين الستة: المال العام لا يُهدر فقط عندما تُسرق الأموال مباشرة، بل أيضاً عندما تُصرف على مشاريع لا وجود لها.
وإذا أثبت القضاء ما نسب إلى المتهمين، فإن أخطر ما في القضية ليس السلفة وحدها، بل الطريقة التي سمحت بمرورها عبر لجان متعددة.
لذلك فإن المعالجة الحقيقية لا تنتهي بإحالة المتهمين إلى القضاء، وإنما تبدأ من تفكيك آلية الخلل التي سمحت بظهور المشروع الوهمي أصلاً، ومراجعة المشاريع المماثلة، وربط الصرف بالإنجاز الحقيقي، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، مهما كان موقعه الوظيفي.
فالمعركة ضد الفساد لا تُحسم بعدد الموظفين الذين يتم توقيفهم، بل بقدرة الدولة على إغلاق الطريق الذي يجعل مشروعاً غير موجود قادراً على ابتلاع أموال موجودة فعلياً.







