حرية
من «كم أنفقنا؟» إلى «ماذا حققنا؟».. العراق يغيّر قواعد الموازنة ويضع المال العام تحت اختبار النتائج
أكد مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، أن العراق يتجه نحو تغيير جوهري في فلسفة إعداد الموازنة العامة، عبر الانتقال من موازنة تركز على حجم الإنفاق والتخصيصات إلى موازنة تقيس النتائج والأثر الفعلي للمال العام على المواطن والاقتصاد.
وقال صالح، في تصريحات نقلتها الصحيفة الرسمية، إن «موازنة البرامج» تمثل انتقالاً من تمويل الإنفاق إلى تمويل النتائج، مبيناً أن الهدف لم يعد مجرد إدراج أرقام وتخصيصات للوزارات والمؤسسات الحكومية، وإنما معرفة ما الذي تحقق فعلياً مقابل الأموال التي جرى إنفاقها.
وأوضح أن تطبيق هذا النهج سيجعل الوزارات والمؤسسات الرسمية مطالبة بتقديم بيانات دقيقة عن أعداد الموظفين وحجم النفقات وكلفة كل برنامج ونشاط، بما يسمح للحكومة بقياس الكلفة الحقيقية وربطها بالأهداف والنتائج المتحققة.
وأشار صالح إلى أن زيادة التخصيصات لن تكون كافية بحد ذاتها، إذ ستخضع البرامج الحكومية لتقييم يتعلق بمدى أهميتها وقدرتها على تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين وفي النشاط الاقتصادي، مؤكداً أن توزيع الإنفاق بين القطاعات يجب أن ينطلق من الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، وليس من استمرار أنماط الإنفاق التقليدية.
وبيّن أن ضعف النتائج لا يعني بالضرورة خفض التمويل بصورة مباشرة، بل يستوجب تشخيص أسباب الخلل، سواء كان مرتبطاً بنقص الموارد أو ضعف التنفيذ أو سوء الإدارة أو عدم واقعية الأهداف الموضوعة، قبل اتخاذ قرار بإعادة توجيه الأموال أو تعديل البرامج.
وأضاف أن الحكومة ستكون قادرة، وفق هذا النهج، على دمج بعض البرامج أو إعادة تصميمها، بل وإيقاف البرامج التي يثبت عدم جدواها، ما يجعل الموازنة عملية متحركة وقابلة للمراجعة بدلاً من كونها مجرد وثيقة مالية سنوية لتغطية النفقات.
هل تستطيع موازنة البرامج كسر الحلقة التقليدية؟
ما يطرحه صالح يتجاوز تغييراً فنياً في طريقة إعداد الموازنة، لأنه يمس واحدة من أبرز مشكلات الإدارة المالية العراقية: استمرار ارتباط الإنفاق الحكومي بالتخصيصات أكثر من ارتباطه بالنتائج.
فعلى مدى سنوات، كان السؤال الأساسي في كثير من المؤسسات الحكومية يتمحور حول حجم الأموال المخصصة ونسبة الإنفاق منها، بينما بقي السؤال الأهم أقل حضوراً: ماذا حصل المواطن مقابل هذه الأموال؟ وهل تحولت التخصيصات إلى خدمات ومشاريع وفرص اقتصادية حقيقية؟
وهنا تكمن أهمية موازنة البرامج؛ فهي تفترض أن حصول الوزارة على الأموال لا يمثل نهاية العملية، بل بدايتها. فالتمويل يصبح مرتبطاً ببرنامج محدد، والبرنامج مرتبط بهدف، والهدف يجب أن تكون له نتائج قابلة للقياس.
لكن نجاح هذا التحول لن يتحقق بمجرد تغيير اسم الموازنة أو اعتماد نماذج مالية جديدة، لأن المشكلة في العراق لا ترتبط دائماً بطريقة تسجيل الإنفاق، وإنما بقدرة المؤسسات على التخطيط والتنفيذ والرقابة وقياس الأداء.
ويبرز هنا ملف البيانات بوصفه التحدي الأول. فالحكومة تحتاج إلى معرفة دقيقة بعدد الموظفين، وكلفة الرواتب، وحجم الإنفاق التشغيلي، وكلفة المشاريع، ونسب الإنجاز، والنتائج المتحققة. ومن دون قاعدة بيانات موحدة ودقيقة، ستبقى عملية تقييم البرامج عرضة للتقديرات والتبريرات بدلاً من أن تكون قائمة على مؤشرات واضحة.
كما أن التحول إلى موازنة النتائج يمكن أن يضع حداً تدريجياً لفكرة أن جميع الوزارات والبرامج تستحق التمويل نفسه كل عام. فالبرنامج الذي يحقق نتائج ملموسة يمكن دعمه وتوسيعه، بينما البرنامج المتعثر يجب أن يخضع للمراجعة لمعرفة أسباب فشله قبل الاستمرار في ضخ الأموال فيه.
والأهم أن هذا النهج قد يغير مفهوم الرقابة على المال العام. فالرقابة لن تتوقف عند السؤال عن قانونية الصرف، بل تمتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل كان الصرف ذا جدوى؟ وهل حقق الغرض الذي خُصصت الأموال من أجله؟
المشكلة ليست في الموازنة وحدها
مع ذلك، فإن الانتقال إلى موازنة البرامج سيواجه عقبات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة التنفيذية لبعض المؤسسات، وتداخل الصلاحيات، والروتين الإداري، فضلاً عن صعوبة قياس نتائج بعض القطاعات الحكومية بصورة فورية.
كما أن ربط التمويل بالنتائج يحتاج إلى قدر كبير من الشفافية، حتى لا تتحول مؤشرات الأداء نفسها إلى أرقام شكلية تقدمها المؤسسات لتبرير استمرار التمويل.
ويحتاج العراق كذلك إلى ربط الموازنة بخطط التنمية والاستثمار والإصلاح الإداري، بحيث لا تعمل كل وزارة بمعزل عن الأخرى، لأن بعض النتائج الاقتصادية والخدمية لا يمكن تحقيقها من خلال مؤسسة واحدة.
اختبار حقيقي للمال العام
في النهاية، فإن موازنة البرامج تضع الحكومة أمام اختبار مختلف: ليس مقدار ما أنفقته، وإنما مقدار ما أنجزته.
وهذا التحول، إذا طُبق بصورة فعلية وليس شكلية، يمكن أن ينقل الإدارة المالية العراقية من ثقافة «التخصيص ثم الصرف» إلى ثقافة «الهدف ثم التمويل ثم القياس والمحاسبة».
لكن التحدي الأكبر سيبقى في التنفيذ؛ لأن تغيير الجداول المالية أسهل بكثير من تغيير العقلية الإدارية التي تنظر إلى الموازنة باعتبارها حقاً سنوياً للإنفاق.
وإذا نجحت الحكومة في ربط كل تخصيص بهدف واضح ونتيجة قابلة للقياس، فإن المال العام لن يعود مجرد أرقام في قانون الموازنة، بل سيصبح أداة يمكن من خلالها معرفة من أنجز، ومن أخفق، وأين ذهبت الأموال، وما الذي حصل عليه المواطن فعلياً مقابل كل دينار أُنفق من خزينة الدولة.







