حرية
بقلم: الدكتور محمد عبد الستار البغدادي باحث ومختص بالمشهد الاقتصادي العراقي والعالمي
لم تعد معالجة أسعار الصرف في الاقتصاد العراقي خياراً محصوراً بين الرفض القاطع أو التعديل الحاد، بل أضحت قضية استقرار بنيوي تمس حياة نحو 46 مليون مواطن وتؤثر مباشرة في حركة الأسواق اليومية.
إن الحديث عن تعديل سعر صرف الدولار مقابل الدينار ينبغي ألا يُطرح بلغة المفاجآت الصادمة التي تُحدث إرباكاً نقديًا وتضخماً سريعاً، بل عبر رؤية علمية متوازنة تُدرك ضرورة الإصلاح ولكن بآلية تدريجية مُسيطر عليهاوهذه الرؤية ليست وليدة اللحظة بل تمثل استمراراً لموقف اقتصادي مسؤول سبق أن طرحناه بشكل مباشرعلى رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي خلال لقائنا به ضمن وفد يضم نخبة من أهل المال والاقتصاد والخبراء الماليين أثناء فترة ترؤسه للحكومة العراقية واليوم نؤكد مجدداً صحة هذه المقاربة وعمقها الهيكلي لمواجهة التحديات الاقتصادية والمالية الراهنة.
ويمكن تشخيص مخاطر الارتفاع المفاجئ وسلبيات الصدمات النقديةإن اللجوء إلى رفع سعر الدولار بشكل قفزي ومفاجئ يُخل بالأسس الاستقرارية للاقتصاد المحلي لعدة أسباب جوهرية ومنهااحداث موجة تضخمية سريعة: الارتفاع الفجائي يؤدي فوراً إلى قفزات في أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية بنسب تتجاوز أحياناً نسبة تعديل الصرف ذاتها نتيجة المضاربة وحالة الهلع في الأسواق تآكل القوة الشرائية للدخل الثابت.
انخفاض قيمة الدينار بغتة يُضعف القدرة الشرائية لأكثر من 4 ملايين موظف حكومي وملايين المتقاعدين والمستفيدين من شبكة الحماية الاجتماعيةتجميد النشاط الاستثماري والتجاري.
التغيرات الحادة المفاجئة تفقد التجار والمستثمرين القدرة على إعداد دراسات الجدوى والوفاء بالعقود المبرمة مما يسبب حالة من الركود والتوقف عن الاستيراد والتنفيذاتساع المضاربة في السوق الموازية.
القفزات غير المدروسة تفقد المتعاملين الثقة بالعملة الوطنية وتزيد الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية تقوم وجهة نظرنا الاقتصادية على قبول مبدأ تعديل سعر الصرف لخدمة الموازنة العامة وتقليل العجز المالي بشرط أن يتسم التعديل بالتدريج المنظم والمدعوم بجدول زمني واضح.
وكذلك التدرج الزمني والرقابي من خلال تطبيق زيادة محددة ومنظمة خلال فترات زمنية متباعدة ومحددة تفصل بينها عدة أشهران امتصاص الصدمات السعرية يتحد المعروض السلعي والأسعار في الأسواق تدريجياً مع كل مرحلة تعديل بسيطة دون حدوث قفزات حادة تشل حركة البيع والشراءواعطاء مساحة للتكيف التجاري ليمنح الارتفاع المنسق قطاع الأعمال فرصة لإعادة ترتيب الالتزامات المالية والطلب على العملة الأجنبية وفق معدلات متوقعة ومحسوبةكما يجب تقليل الهلع الاكتنازي عبرالإعلان المسبق والشفاف عن حدود التعديل يمنع المضاربين من استغلال الشائعات لرفع أسعار الصرف في السوق السوداءان الهدف النهائي لسياسة التدرج ليس استمرار الارتفاع إلى المجهول بل الوصول إلى نقطة توازن محددة يستقر عندها السعر بشكل تام.
كما يمكن ارساء سعر صرف ثابت ومستدام بعد انتهاء مراحل التعديل التدريجي ليُثبت سعر الصرف عند مستواه التوازني لمنع أي تذبذب مستقبلي يؤثر في استقرار التعاملات كما من المهم حماية العقود والالتزامات طويلة الأجل لغايات الاستقرار الثابت لسعر الصرف والذي يمنح القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب والمحليين البيئة الآمنة للتخطيط طويل الأمدان كبح التضخم المستورد الاستقرار النقدي يحد من تسرب التضخم الخارجي عبر الواردات ويثبت القوة الشرائية العامة للعملة الوطنية.
يمكن ان نعتبر بأن الخط الأحمرهو تأمين رواتب الموظفين والمستحقات الاجتماعيةإن أي إصلاح مالي أو نقدي يفقد شرعيته الاقتصادية والاجتماعية إذا مس الكفالة المعيشية للمواطنين ولذلك نؤكد على مرتكزات أساسية لا تقبل المساومة كما يجب تامين السيولة المطلوبة للرواتب تحت أي ظرف من اجل صيانة الالتزامات المالية تجاه الموظفين والمتقاعدين وأصحاب الرعاية الاجتماعية بانتظام وبلا أي تأخير هو أولوية قصوى للحفاظ على الأمن الاجتماعي.
وان استمرار التدفق النقدي في الأسواق يجعل دفع الرواتب يمثل صمام الأمان الوحيد لتوفير السيولة التشغيلية التي تحرك عجلة السوق والتجارة الداخليةومن الاهمية تحصين الفئات الأكثر هشاشة من خلال مراقبة أسعار المواد الأساسية وتعزيز السلة الغذائية بالتوازي مع سياسة التعديل النقدية لضمان عدم تضرر ذوي الدخل المحدود.
إن إدارة أزمة سعر الصرف في العراق تحتاج إلى حكمة مالية تغلب المصلحة الوطنية وتعتمد الحلول العلمية المتوازنة إن الأخذ بآلية الارتفاع التدريجي المنظم والتثبيت النهائي مع الصيانة الكاملة لرواتب الموظفين يمثل المخرج الآمن لتحقيق التوازن بين متطلبات المالية العامة وحماية القدرة الشرائية والاستقرار الاقتصادي الشامل.







