حرية
انتهت استراحة الغداء في مصنع “بلامي فاشنز” (Plummy Fashions) على مشارف دكا، وعاد خط الإنتاج إلى العمل من جديد. رجع العمال إلى مواقعهم، يتفقدون الدرزات ويثبتون البطاقات على أكوام من القمصان النسائية السوداء المخصصة لمتاجر “زارا” (Zara) في أنحاء أوروبا.
على بُعد خطوات، يسود الصمت قاعة إنتاج أخرى، مع توقف عشرات ماكينات الخياطة التابعة لشركة “جوكي” (Juki)، وتصطف كراسٍ فارغة أمام صفوف من طاولات العمل البيضاء. لم يتحرك شيء هنا منذ ثلاثة أشهر.
قال فضل الحق، العضو المنتدب للشركة، عندما زارت “بلومبرغ” المصنع في يونيو: “أوقف أحد المشترين لدينا طلبات البوليستر، آملاً أن تنخفض الأسعار”. ويشغل فضل الحق منصب العضو المنتدب لـ”بلامي فاشنز”، بحسب الموقع الرسمي للشركة.
وتعطي ساحة الإنتاج المتوقفة عن العمل في المصنع لمحة عن تأثير حرب إيران من حيث إعادة تشكيل سلسلة توريد الملابس العالمية. ولا تقتصر الضغوط على ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، التي يمكن أن تتراكم سريعاً لأن إنتاج الملابس يشمل عادةً دولاً عدة وعشرات المراحل، بل تمتد أيضاً إلى أسعار المواد الخام. فقد قفزت كلفة البوليستر، المشتق من الوقود الأحفوري، وارتفعت أسعار القطن وسط مخاوف بشأن الإمدادات ونقص الأسمدة والقلق من أن تؤثر ظاهرة “إل نينيو” القوية في المحاصيل لاحقاً هذا العام. ولجعل الأرقام قابلة للاستمرار، يعيد المصنعون التفكير في عمليات الإنتاج، فيما يوازن تجار التجزئة بين رفع الأسعار وقبول هوامش ربح أضعف.
تأثير حرب إيران
من المرجح أن يبدأ المستهلكون في الشعور بالتأثير خلال الخريف. ونظراً إلى أن العلامات التجارية عادةً ما تقدم طلباتها قبل ما يصل إلى عام، يحذر تجار التجزئة من أن ارتفاع التكاليف قد ينعكس بصورة أكبر على أسعار السلع في المتاجر خلال الربيع والصيف المقبلين. وقد يزيد ذلك عزوف المتسوقين، الذين يواجهون بالفعل ارتفاع فواتير البقالة والطاقة، عن الإنفاق، ويعرض تجار التجزئة لخطر تكبد خسائر أكبر.
وبالنسبة إلى كثيرين في قطاع الملابس، تمثل حرب إيران مجرد أحدث أزمة يتعين التعامل معها. فإلى جانب الجائحة، وتعقيدات سلاسل التوريد العالمية، والرسوم الجمركية الأميركية، قال جاكوب دفورسكي، الشريك المؤسس لعلامة الملابس السويدية البسيطة “أسكيت” (ASKET): “كانت السنوات القليلة الماضية أشبه برحلة أفعوانية. وإذا عدنا إلى أيام كوفيد، فيبدو أن لا شيء كان مستقراً حقاً. واضطررنا إلى التكيف”. وتشير”أسكيت” في موقعها الرسمي إلى أنها تأسست في ستوكهولم عام 2015.
قبل اندلاع الصراع، كان البوليستر يُتداول بسعر يعادل نحو نصف سعر القطن. لكن صعود أسعار النفط الخام دفع أسعار الألياف الصناعية في الصين إلى مستوى قريب من أعلى مستوى في أربع سنوات. وشهدت شركة “بلامي”، التي تزود علامات تابعة لـ”إنديتكس” (Inditex)، من بينها “زارا” (Zara) و”بول آند بير” (Pull&Bear)، ارتفاع أسعار خيوط البوليستر بما يصل إلى 25% خلال أسابيع من بدء الحرب. بدورها، قفزت أسعار القطن إلى أعلى مستوى في عامين مع بحث المشترين عن بدائل وتشديد الإمدادات. وفي ظل تهديد ظاهرة “إل نينيو” لمحاصيل هذا الموسم، سجلت العقود الآجلة للقطن أخيراً أعلى مستوياتها منذ مارس 2024.
وقال جوليان هوغل، الشريك في شركة “ماكنزي آند كو”: “الأمر غير المعتاد في البيئة الحالية هو أن كلا النوعين الرئيسيين من الألياف يواجه ضغوطاً على التكلفة في الوقت نفسه”.
وأضاف: “هذا يلغي القدرة المعتادة للعلامات التجارية على الاستعاضة بنوع من الألياف عن آخر”.
وشهدت شركة “كيتلهاك” (Kettelhack)، وهي شركة ألمانية لتصنيع الأقمشة تعتمد منتجاتها إلى حد كبير على مزيج من البوليستر والقطن، ارتفاع تكاليفها بنسبة تراوحت بين 5% و8%، بحسب ما قاله مدير المبيعات ينس كامبلينغ في مقابلة بمدينة بريمن.
ولا تقتصر التقلبات الحادة في الأسعار على الألياف وحدها. وقال موهيت جاين، نائب الرئيس التنفيذي لشركة المنسوجات الهندية “إندو كاونت إندستريز” (Indo Count Industries)، خلال مكالمة إعلان النتائج: “لا توجد تكلفة مدخلات واحدة لم ترتفع، سواء كانت خيوط البوليستر أو خيوط القطن أو الأصباغ أو المواد الكيميائية أو النفط أو الغاز”.
ويلقي ذلك جزءاً كبيراً من العبء على المصنعين.
وتمثل المواد الخام نحو 60% من تكلفة القميص الأساسي، بحسب الحق، العضو المنتدب لدى “بلامي”، في حين لا تتجاوز هوامش أرباح المصانع عادةً 2% إلى 3%. ومع استمرار ضعف الطلب، تتحمل الشركة التكاليف الإضافية بدلاً من تمريرها إلى العملاء.
قال فضل الحق: “ليست لدينا أي قدرة على المناورة على الإطلاق. فنحن لا نزرع القطن، ولا نصنع رقائق البوليستر، كما أن النفط ليس من منتجاتنا”.
الضغوط في آسيا
بدأت مراكز التصنيع في آسيا تظهر مؤشرات على هذه الضغوط. وتمثل الهند، وهي أحد أكبر مراكز توريد الملابس في العالم، نحو 4% من تجارة المنسوجات والملابس عالمياً. لكن صادراتها من الملابس الجاهزة انخفضت 4.5% في يوليو مقارنة بالعام السابق، مواصلة سلسلة من التراجعات أدت إلى انخفاض الشحنات 10.5% خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية. أما بنغلاديش فتُصدر ملابس بقيمة تقارب 800 مليون دولار سنوياً إلى الشرق الأوسط، وهذه التجارة متوقفة حالياً بصورة شبه كاملة.
وفي حين لا يملك المصنعون خيارات كثيرة سوى التعامل مع ارتفاع التكاليف عبر سلسلة التوريد، تتمتع العلامات التجارية بمرونة أكبر. إذ يمكنها الضغط على الموردين لخفض الأسعار، أو تغيير المنتجات، أو ببساطة رفع أسعارها.
وفي مواجهة ارتفاع تكاليف الأقمشة والخيوط، اختارت العلامة السويدية “أسكيت” الخيار الأخير. وقال دفورسكي: “لو اخترنا المسار الآخر للإبقاء على الأسعار عند مستوياتها نفسها، لكان علينا التوريد من مكان آخر أو خفض مستوى الجودة”. وأضاف: “بصفتنا علامة مستقلة تعمل بهوامش ربح ضئيلة، لا يمكننا ببساطة تحمل زيادات مستمرة في التكاليف”.
ويرى بعض المصنعين والمستشارين أنه ما لم تنحسر الضغوط، فقد تضطر العلامات التجارية قريباً إلى دراسة خيارات أخرى، مثل خفض أوزان الأقمشة، وتبسيط التصميمات، وتغيير مزيج المواد، أو الاستغناء عن بعض خصائص المنتجات لتعويض ارتفاع تكاليف الإنتاج.
مع ذلك، يقدّر هوغل أن زيادات الأسعار في فئات الملابس الأساسية قد تصل في نهاية المطاف إلى ما بين 10% و20%، رغم أن ظهور التأثير الكامل قد يستغرق ما يصل إلى عام.
الضغط على هوامش الربحية
قالت “إنديتكس”، مالكة “زارا”، إن الاضطرابات في الشرق الأوسط رفعت تكاليف النقل ومدخلات الإنتاج لديها، ومن المتوقع أن يواصل هذا الأثر الضغط على هوامش الربح الإجمالية خلال النصف الثاني من العام. وللحد من تداعيات الحرب، قالت الشركة إنها عدّلت أساليب النقل ومصادر التوريد، واعتمدت بدرجة أكبر على شبكة إمداد موزعة على عشرات الدول.
قال جون ديفاين، كبير الاقتصاديين لدى “كوتون إنكوربوريتد” (Cotton Incorporated): “المنافسة شديدة للغاية في السوق، ولذلك فإن كل سنت له أهميته. وربما لا يلاحظ المستهلك حتى تغير أسعار القطن، لكن تجار التجزئة الذين يراقبون هوامش أرباحهم سيلاحظونه، لأن كل سنت يمكن أن يصب في مصلحتهم أو يضرهم”.
وبالنسبة إلى كثير من تجار التجزئة هؤلاء، يتمثل القلق الرئيسي في المستهلكين، إذ يخشون أن يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تقليص الأموال المتاحة لديهم للإنفاق غير الضروري. وقال فريتز غروبين، رئيس “بورصة بريمن للقطن” (Bremen Cotton Exchange)، وهي جمعية تضم منتجين ومصنعين وتجاراً: “تعتمد سلسلة قيمة المنسوجات بدرجة كبيرة على شعور المستهلكين بالثقة، وعلى مقدار السيولة المتاحة لديهم”.
ويراقب المصنعون عن كثب أسواق السلع ومسارات الشحن وأنماط إنفاق المستهلكين بحثاً عن مؤشرات على ضعف الطلب. وفي “بلامي”، رصد الحق بالفعل تراجع الإيرادات، ولا يتوقع تغير الوضع إلى أن تنحسر الحرب وتبدأ الأسعار في العودة إلى مستوياتها الطبيعية.
وقال فضل الحق إنه في أوقات الضغوط الاقتصادية، يكون من السهل على المستهلكين “ببساطة تأجيل شراء قميص وارتداء ما لديهم بالفعل”.
ويترك ذلك شركات مثل شركته عالقة بين ارتفاع التكاليف ومشترين غير مستعدين لدفع أسعار أعلى في سوق شديدة التنافس. وكانت النتيجة مزيداً من الضغوط على هوامش الربح الضئيلة أصلاً.
قال الحق: “لا يهتم المشترون بارتفاع أسعار المواد الخام، لأن أمامهم خيارات لا حصر لها حالياً. وإذا رفضتُ الإنتاج بخسارة، فسيتدخل شخص آخر”.







