حرية
أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن بلاده متمسكة بالمسار الدبلوماسي والمفاوضات مع إسرائيل، معتبراً أن الخيارات أمام لبنان تنحصر بين الحرب أو الدبلوماسية، ولا وجود لخيار ثالث، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأمنية والسياسية على الجنوب اللبناني.
وقال عون، خلال استقباله وفد منظمة «تاسك فورس فور ليبانون» برئاسة إدوارد غبريال، إن لبنان متمسك بـ«اتفاق الإطار» ويسعى إلى تطويره وتحقيق تقدم في ملفات الأسرى والحدود والمنطقة التجريبية ووقف إطلاق النار، مؤكداً أن بيروت تنتظر جولة جديدة من المفاوضات للبناء على ما تحقق.
بيروت تراهن على واشنطن
ويضع الموقف اللبناني الولايات المتحدة في موقع أساسي في المرحلة المقبلة، إذ أكد عون أن لبنان يعوّل على واشنطن باعتبارها راعية «اتفاق الإطار»، مشيراً إلى أنها «جادة وملتزمة» وتسعى إلى دفع الاتفاق قدماً.
ورغم الصعوبات التي تواجه تطبيق الاتفاق، شدد الرئيس اللبناني على أن بلاده لا تريد التراجع عن المسار التفاوضي، بل تسعى إلى تعزيز الإطار وتحويله إلى مسار قادر على معالجة الملفات العالقة.
وتأتي هذه المواقف في ظل استمرار التوتر جنوب لبنان، مع محاولة بيروت منع تحول التصعيد العسكري إلى مواجهة مفتوحة، خصوصاً أن أي انفلات أمني جديد قد يضع الاتفاقات القائمة أمام اختبار صعب.
عون ينتقد «العقلية العسكرية» الإسرائيلية
وفي انتقاد مباشر للمقاربة الإسرائيلية، رأى عون أن إسرائيل تتعامل مع الأزمة من منظور تكتيكي، بينما تغفل الجانب الاستراتيجي، معتبراً أن الدمار والعمليات العسكرية الواسعة وسقوط المدنيين لن تمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها بصورة مستدامة.
وأكد أن معالجة الوضع في الجنوب لا يمكن أن تقوم على القوة العسكرية وحدها، في رسالة تبدو موجهة أيضاً إلى الوسطاء الدوليين بأن استمرار الضربات لن يؤدي إلى تسوية مستقرة.
الجيش اللبناني في قلب المعادلة
ويبرز في رؤية عون دور الجيش اللبناني باعتباره الطرف الذي يفترض أن يتحمل مسؤولية أمن الجنوب، إذ وصفه بأنه جيش «محترف وملتزم» ويتمتع بمستوى عالٍ من التدريب، لكنه يحتاج إلى الإمكانات والمعدات التي تمكنه من تنفيذ مهامه.
كما دعا إلى دعم إعادة إعمار الجنوب، في محاولة لربط المسار الأمني بالمسار الاقتصادي والاجتماعي، باعتبار أن تثبيت الاستقرار لا يمكن أن يتحقق من خلال الانتشار العسكري وحده.
شراكة استراتيجية مع واشنطن
وكشف عون أن لقاءه الأخير مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب تناول ملفات عدة، بينها اتفاق الإطار ودور قوات «اليونيفيل» في الجنوب، إلى جانب فتح خطوط جوية بين لبنان والولايات المتحدة والاستثمارات الأميركية.
وتتجه بيروت، وفق هذا الطرح، إلى بناء شراكة استراتيجية مع واشنطن ذات أبعاد اقتصادية وأمنية، في وقت تحتاج فيه الدولة اللبنانية إلى دعم دولي واسع لإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها.
إصلاح داخلي وعلاقة «دولة لدولة» مع إيران
ولم يحصر عون رؤيته بالملف الأمني، بل ربط الاستقرار الخارجي بمسار إصلاح داخلي يشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الفجوة المالية ومكافحة الفساد.
وأكد أن الحكومة الإلكترونية والقضاء يمثلان ركيزتين أساسيتين في مسار الإصلاح، في محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على إدارة الملفات الاقتصادية والأمنية.
وفي ما يتعلق بإيران، رسم عون سقفاً واضحاً للعلاقة، مؤكداً ضرورة أن تكون «دولة لدولة» قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
لبنان أمام اختبار القرار السيادي
ويكشف موقف عون عن محاولة لبنانية لإعادة صياغة المعادلة الجنوبية على أساس الدولة والمفاوضات بدلاً من الحرب المفتوحة. لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بقدرة بيروت على فرض دور المؤسسات الرسمية، وبمدى استعداد إسرائيل للالتزام بالمسار التفاوضي، فضلاً عن موقف «حزب الله» من مستقبل السلاح والاتفاقات المطروحة.
وبذلك تبدو معادلة عون الجديدة أكثر من مجرد موقف سياسي؛ فهي محاولة لوضع لبنان أمام خيار واضح: إما أن يصبح التفاوض أداة لحماية السيادة وإنهاء التصعيد، أو أن تعود البلاد إلى دائرة الحرب التي أثبتت السنوات الماضية أن كلفتها تفوق قدرة الدولة والمجتمع على تحملها.







