حرية
وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في أول زيارة له إلى مصر منذ نحو 10 سنوات، حاملاً أجندة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والتعاون الاستراتيجي، في وقت تتسع فيه تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وتتصاعد الضغوط والعقوبات الأمريكية المرتبطة بإيران.
ومن المقرر أن يجري شي محادثات مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، تتناول مستقبل العلاقات الثنائية والملفات الاقتصادية والسياسية، فيما تشمل الزيارة أيضاً جولة في المتحف المصري الكبير بالقرب من أهرامات الجيزة.
استثمارات صينية في قلب الزيارة
يتصدر التعاون الاقتصادي أجندة الزيارة، في ظل تنامي حجم التجارة بين البلدين، إذ بلغ الفائض التجاري الصيني مع مصر نحو 12 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، وفق بيانات الجمارك الصينية.
وتتجه الأنظار إلى اتفاقات مرتقبة في قطاعات الذكاء الاصطناعي والنقل والطاقة والاستثمار، إلى جانب بحث توسيع الحضور الصيني في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تمثل أحد أهم محاور الربط التجاري والصناعي بين آسيا وأوروبا.
كما رسخت الشركات الصينية حضورها في عدد من المشاريع المصرية الكبرى، وفي مقدمتها حي المال والأعمال في العاصمة الإدارية الجديدة، ما يعكس انتقال العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين من مستوى التجارة إلى شراكات استثمارية طويلة الأمد.
وفي مقال نشرته وسائل إعلام مصرية قبيل اللقاء، دعا شي إلى توسيع نطاق التعاون العملي بين البلدين من خلال مشاريع التنمية، فيما أشاد السيسي بالدور الذي تؤديه الاستثمارات الصينية في دعم الاقتصاد المصري.
حرب المنطقة والعقوبات الأمريكية
تأتي زيارة شي في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً، مع استمرار تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وتصاعد الضغوط الأمريكية المرتبطة بإيران، وسط تهديدات بتوسيع نطاق العقوبات لتطال جهات ودولاً وشركات يُنظر إليها على أنها داعمة لطهران أو متعاونة معها.
وتبرز الصين في هذا السياق بوصفها من أبرز مستوردي النفط الإيراني، فيما تؤكد بكين تمسكها بمصالحها الاقتصادية وعلاقاتها التجارية، بالتوازي مع تقديم نفسها طرفاً داعياً إلى التهدئة ووقف التصعيد.
أما القاهرة، فتسعى بدورها إلى تجنب الانخراط في الاستقطاب الإقليمي والدولي، مع الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه توسيع شراكاتها الاقتصادية مع الصين.
مصر بين واشنطن وبكين
وتكشف الزيارة عن جانب آخر من الحسابات المصرية، يتمثل في الحفاظ على ما تصفه القاهرة بـ”الاتزان الاستراتيجي” في سياستها الخارجية، في ظل احتدام المنافسة بين القوى الكبرى.
وقال السيسي، في مقال نشر الثلاثاء، إن مصر تمسكت بسياسة الاتزان الاستراتيجي في مواجهة موجات الاستقطاب والتنافس الدولي، مشيراً إلى أن مصر والصين شريكان في تعزيز دور دول الجنوب العالمي في النظام الدولي.
وتبدو القاهرة حريصة على توظيف علاقاتها مع بكين للحصول على استثمارات وتمويل وشراكات اقتصادية، من دون أن يعني ذلك التخلي عن علاقاتها التاريخية مع واشنطن.
من الاقتصاد إلى التعاون العسكري
ولا تقتصر العلاقات المصرية الصينية على الاقتصاد والتجارة، إذ امتدت خلال السنوات الماضية إلى المجال العسكري، في مؤشر على اتساع نطاق الشراكة بين البلدين.
وفي أغسطس الماضي، استضافت مصر مناورات جوية مشتركة شاركت فيها المقاتلة الصينية “جي-16″، في خطوة تعكس تنامي التعاون العسكري والتقني بين الجانبين.
وتكتسب زيارة شي أهمية إضافية لتزامنها مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، فيما حافظ السيسي خلال السنوات الأخيرة على زيارات متكررة إلى بكين، ما أسهم في دفع العلاقات الثنائية نحو مستويات أوسع.
لا تبدو زيارة شي إلى القاهرة مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل تأتي في إطار استراتيجية صينية أوسع لتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط عبر شراكات طويلة الأمد مع دول محورية، وفي مقدمتها مصر.
وتتمتع القاهرة بأهمية استثنائية بالنسبة إلى بكين بسبب موقعها الجغرافي، وقناة السويس، وحجم السوق المصرية، فضلاً عن موقعها السياسي المؤثر في ملفات المنطقة. ولذلك فإن تعزيز الاستثمار الصيني في مصر يمنح بكين حضوراً اقتصادياً يرتبط مباشرة بأحد أهم طرق التجارة العالمية.
في المقابل، تحاول مصر الاستفادة من المنافسة بين القوى الكبرى دون الانحياز الكامل إلى أي منها. فالشراكة مع الصين توفر استثمارات ومشاريع وبنية تحتية، بينما تبقى الولايات المتحدة شريكاً سياسياً وعسكرياً وأمنياً رئيسياً للقاهرة.
أما العامل الأكثر حساسية في الزيارة فيتعلق بالعقوبات الأمريكية على إيران. فكلما اتسعت المواجهة بين واشنطن وطهران، زادت الضغوط على الدول والشركات التي ترتبط تجارياً بإيران، الأمر الذي يضع الصين أمام اختبار صعب بين حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب التصعيد مع الولايات المتحدة.
ومن هنا، فإن زيارة شي إلى مصر تحمل رسالة تتجاوز العلاقات الثنائية: بكين تريد توسيع حضورها في الشرق الأوسط، والقاهرة تريد الحفاظ على هامش مناورة مستقل بين القوى الكبرى، فيما تدفع أزمات المنطقة الطرفين إلى إعادة حساباتهما الاقتصادية والاستراتيجية.







