رغد بنت زيد
لم تعد حكومة علي الزيدي أمام معركة سياسية تقليدية بين حكومة ومعارضة، ولا أمام خلاف عابر حول توزيع المناصب وإدارة الملفات، بل تبدو أمام اختبار أكبر يتعلق بطبيعة الدولة العراقية نفسها: هل يكون القرار السياسي والأمني والاقتصادي محصوراً بالمؤسسات الرسمية، أم يستمر العراق في إنتاج مراكز نفوذ قادرة على منافسة الحكومة والتأثير في قراراتها؟
هذه المعادلة تجعل تقييم حكومة الزيدي مختلفاً عن تقييم أي حكومة أخرى. فالمواطن لا ينظر فقط إلى عدد المشاريع التي تنفذها الحكومة أو القرارات التي تصدر عنها، وإنما يريد أن يعرف: هل أصبحت الدولة أكثر حضوراً؟ هل أصبح القانون أقوى؟ هل تراجع نفوذ السلاح خارج المؤسسات؟ وهل باتت الحكومة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه من دون ضغوط من خارج مؤسساتها؟
لكن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج أولاً إلى النظر في ما تضعه الحكومة أمام العراقيين من برنامج وأهداف، وما استطاعت تحويله من هذه الأهداف إلى إجراءات وقرارات ملموسة.
حكومة الزيدي.. برنامج واسع لا يقتصر على الخدمات
قدمت حكومة علي الزيدي برنامجاً حكومياً واسعاً يتضمن 139 أولوية موزعة على 14 قطاعاً رئيسياً، ما يعني أن المشروع الحكومي لا يقتصر على الكهرباء والخدمات، وإنما يمتد إلى السيادة والأمن الوطني، والإصلاح الاقتصادي والمالي، وتطوير الصناعة، والحوكمة والإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد، والصحة، والاتصالات والتحول الرقمي، والطاقة، والزراعة والمياه، والتعليم، والحماية الاجتماعية، وحقوق الإنسان والمرأة والطفل، والثقافة والسياحة والآثار.
وهذه النقطة مهمة في تقييم الحكومة، لأن مشروعها المعلن يقدم نفسه باعتباره محاولة لإعادة بناء الدولة على أكثر من محور في وقت واحد: دولة أمنية موحدة القرار، واقتصاد أقل اعتماداً على النفط، وإدارة أكثر انضباطاً، ومؤسسات أكثر قدرة على مكافحة الفساد، وخدمات تستجيب لحاجات المواطن.وبالتالي فإن معركة الزيدي لا يمكن اختزالها في شخص رئيس الوزراء، بل في قدرة حكومته على تحويل هذه الأولويات إلى واقع.
من الأهداف إلى الإنجاز.. ماذا فعلت الحكومة حتى الآن؟
أحد الملفات التي بدأت الحكومة بتحريكها هو ملف مكافحة الفساد وترشيد الإنفاق العام.
فمجلس الوزراء أقر حزمة من عشرة إجراءات، خمسة منها لتعزيز مكافحة الفساد وخمسة أخرى لمنع تضخم كلف المشاريع الحكومية وترشيد الإنفاق. وشملت الإجراءات تسريع أعمال اللجان التحقيقية، وزيادة متابعة الدعاوى أمام المحاكم، ومتابعة استحصال الأموال المحكوم بها، وإلزام المؤسسات بمعالجة ملاحظات ديوان الرقابة المالية، فضلاً عن تطوير برامج مكافحة الفساد داخل المؤسسات الحكومية.
أما في ملف الإنفاق، فقد اتجهت الحكومة إلى منع إضافة مكونات أو مراحل جديدة إلى المشاريع الاستثمارية بعد المصادقة عليها، في محاولة للحد من تضخم الكلف وتحويل المشاريع الحكومية إلى التزامات مالية مفتوحة.
وقد تبدو هذه الإجراءات إدارية في ظاهرها، لكنها في جوهرها مرتبطة بمفهوم الدولة؛ لأن الدولة التي لا تضبط المال العام ولا تراقب كلف المشاريع ولا تحاسب المسؤولين عن التعطيل والهدر، تترك جزءاً من قوتها للفساد وشبكات المصالح.
السكن.. محاولة الاقتراب من واحدة من أكبر أزمات العراقيين
في الملف الاجتماعي، وجه الزيدي بإطلاق الإجراءات التنفيذية لمشروع مليون قطعة أرض سكنية في المحافظات التي استكملت تخصيص مواقع المشروع, ومهما كانت التحديات التي تواجه تنفيذ المشروع، فإن السكن يمثل واحداً من الملفات التي يمكن أن تقيس من خلالها الطبقات الشعبية جدية الحكومة.فالمواطن لا يريد فقط وعوداً عن الإصلاح الاقتصادي، وإنما يريد أن يرى أثر الدولة في حياته اليومية.قطعة أرض، أو سكن مناسب، أو مشروع خدمي، أو فرصة عمل، يمكن أن تكون بالنسبة إلى عائلة عراقية أكثر أهمية من عشرات الخطابات السياسية.ولهذا فإن نجاح الحكومة في الملفات الاجتماعية يمكن أن يكون أحد مصادر شرعيتها الشعبية، خصوصاً بين الفئات التي لا ترتبط حزبياً أو أيديولوجياً بأي طرف.
الاقتصاد.. الخروج من دولة النفط إلى دولة الإنتاج
أما الهدف الأكبر على المستوى الاقتصادي، فيتمثل في محاولة تقليل هشاشة الاقتصاد العراقي أمام تقلبات أسعار النفط، وتوسيع مساحة الاستثمار والقطاع الخاص، وتحريك الصناعة والزراعة والسياحة والثروات الطبيعية غير النفطية.
فالبرنامج الحكومي يتضمن إصلاح القطاع المصرفي، وضبط وتوحيد إدارة المنافذ الحدودية، وتعزيز الاستثمار في الموارد غير النفطية، إلى جانب الدفع باتجاه التحول الرقمي وتطوير الحوكمة.
وهذه الملفات لا تحقق نتائجها خلال أسابيع أو أشهر، لكنها تمثل اختباراً طويل الأمد لقدرة الحكومة على الانتقال من إدارة الإيرادات النفطية إلى إدارة اقتصاد متنوع.
وإذا نجحت الحكومة في ذلك، فإنها ستغير تدريجياً علاقة المواطن بالدولة؛ لأن الدولة التي توفر فرص العمل من خلال القطاع الخاص والاستثمار والإنتاج ستكون أقل اعتماداً على التوظيف الحكومي بوصفه الوسيلة الأساسية لامتصاص البطالة.
الشباب.. قاعدة اجتماعية محتملة لمشروع الدولة
الشباب سيكونون من أكثر الفئات التي يمكن أن تتأثر بنجاح أو فشل هذا المشروع. فالشاب العراقي لا يريد أن يكون مستقبله مرتبطاً بالحزب أو الواسطة أو السلاح أو الانتماء السياسي.هو يريد فرصة عمل، وتعليماً جيداً، وبيئة يستطيع فيها تأسيس مشروع، وقانوناً يحميه، ودولة توفر له الأمن.
ولهذا فإن حكومة الزيدي، إذا استطاعت ربط الإصلاح الاقتصادي بفرص العمل والاستثمار والتعليم والتدريب، يمكن أن تجد قاعدة اجتماعية واسعة لا تدافع عن شخص رئيس الوزراء، وإنما تدافع عن فكرة الدولة.وهنا تحديداً يمكن أن تتحول الدولة من شعار سياسي إلى مصلحة اجتماعية.
من يقف مع الحكومة؟ ومن يقف مع الدولة؟
هناك فرق بين من يؤيد حكومة الزيدي ومن يؤيد مشروع الدولة.قد يكون المواطن مع الدولة لكنه ينتقد الحكومة.وقد يكون معارضاً للزيدي لكنه يؤيد حصر السلاح بالقانون.وقد يكون مؤيداً للحكومة اليوم لكنه يعارضها غداً إذا فشلت.وهذا هو الوضع الطبيعي في الأنظمة السياسية.المشكلة تبدأ عندما تتحول المعارضة إلى محاولة لإضعاف مؤسسات الدولة، أو يتحول تأييد الحكومة إلى محاولة لتبرير أخطائها.
الحكومة ليست الدولة.الحكومة تتغير، أما الدولة فيجب أن تبقى.
أوقفوا استغلال المواطن البسيط
العراقي الذي يعاني من البطالة أو ضعف الخدمات أو ارتفاع الأسعار ليس خصماً سياسياً لأحد.إنه مواطن يريد أن يعيش بكرامة.
الاحتجاج حق، والاعتراض حق، وانتقاد الحكومة حق، ومحاسبة المسؤولين حق لا يمكن مصادرته لكن هناك فرقاً بين مواطن يخرج للتعبير عن مطالبه المشروعة، وبين جهات تستغل غضب المواطنين وتحاول تحويله إلى وسيلة لضرب مؤسسات الدولة أو إسقاط هيبتها ,المواطن البسيط لا ينبغي أن يتحول إلى أداة في معركة سياسية لا يعرف تفاصيلها ولا أهدافها ,ومن يريد إسقاط حكومة أو تغيير رئيس الوزراء فهناك البرلمان والقضاء والانتخابات والآليات الدستورية, أما تحويل الشارع إلى وسيلة لإضعاف مؤسسات الدولة، أو استخدام الفقر والبطالة والغضب الشعبي وقوداً لمعركة سياسية، فهو في النهاية استغلال للمواطن وليس دفاعاً عنه.
الخطاب السوقي لا يبني دولة
العراق بحاجة إلى معارضة سياسية قوية، لكنه بحاجة إلى معارضة مسؤولة,المعارضة الحقيقية تكشف الفساد، وتقدم الوثائق، وتطرح البدائل، وتراقب أداء الحكومة، وتضغط من أجل تحسين الخدمات, أما الشتائم والتخوين والتسقيط الشخصي والتحريض واستخدام اللغة السوقية لإثارة الغضب، فلا تصنع بديلاً سياسياً ولا تبني دولة,فاللغة السوقية قد تحقق انتشاراً سريعاً في مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها تساهم في تدمير الثقة بالمؤسسات وتحويل الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية.
الورقة الطائفية.. عندما تتحول الهوية إلى أداة سياسية
ويبقى أخطر الملفات التي يمكن أن تستخدم في مواجهة مشروع الدولة هو الملف الطائفي, المشكلة ليست في التنوع المذهبي العراقي، ولا في حق أي مكون في التعبير عن هويته وحقوقه، وإنما في تحويل الطائفة إلى وسيلة سياسية، واستخدام الخوف والانقسام لإقناع المواطن بأن قوة الدولة تمثل تهديداً له أو لمكونه.كلما اقترب النقاش من حصر السلاح أو توحيد القرار الأمني، يمكن أن يحاول البعض نقل النقاش من سؤال الدولة إلى سؤال الطائفة.وهنا يجب أن تكون الإجابة واضحة:
حصر السلاح ليس مشروعاً طائفياً، وتطبيق القانون ليس استهدافاً لمكون.
المعيار يجب أن يكون واحداً على الجميع.السلاح الذي يخضع للمؤسسات الرسمية لا يُسأل عن هوية صاحبه، وإنما عن موقعه القانوني.والقانون الذي يطبق على الجميع لا ينبغي أن يُفسر بوصفه استهدافاً لطائفة.الدولة العراقية يجب أن تكون دولة مواطنين، لا دولة طوائف.
حصر السلاح.. الإنجاز السياسي الأكبر إذا تحقق
من هنا يصبح ملف حصر السلاح بيد الدولة الاختبار الأكبر لحكومة الزيدي,فالمسألة ليست مجرد ملف أمني، وإنما قضية سيادة وقرار سياسي واستقرار اقتصادي واجتماعي.
البرنامج الحكومي نفسه يضع تعزيز سيادة الدولة والأمن الوطني وتوحيد القرار الأمني وربط القدرات والموارد بمنظومة الدولة الرسمية ضمن أولوياته. وهذا يعني أن حصر السلاح، إذا تحول من هدف معلن إلى تطبيق مؤسسي، سيكون أحد أهم التحولات في علاقة الدولة بمراكز القوة.الدولة التي تحتكر القوة القانونية تستطيع أن تفرض القانون على الجميع.أما الدولة التي توجد فيها قوى مسلحة خارج التسلسل المؤسسي، فتواجه مشكلة في تحديد الجهة التي تمتلك القرار النهائي عند الأزمات.والقضية لا تتعلق فقط بمن يمتلك السلاح، وإنما بمن يمتلك قرار استخدامه.
لا يمكن أن تكون هناك دولتان داخل دولة واحدة، ولا قراران سياديان، ولا مؤسستان أمنيتان تتنافسان على النفوذ.
حصر السلاح في مصلحة المواطن قبل الحكومة
قد يبدو ملف حصر السلاح للوهلة الأولى معركة بين الحكومة وقوى مسلحة، لكنه في جوهره معركة لصالح المواطن البسيط. ,فالمواطن الذي لا يمتلك حزباً يحميه، ولا نفوذاً سياسياً، ولا قوة مسلحة، هو الأكثر حاجة إلى دولة قوية., عندما تكون الدولة هي الجهة الوحيدة التي تمتلك السلاح القانوني، يصبح المواطن أمام مؤسسة يستطيع اللجوء إليها ,أما عندما تتعدد مراكز القوة، فإن المواطن يصبح مضطراً إلى البحث عن الحماية خارج مؤسسات الدولة. وهذا هو الخطر الحقيقي.
الطبقات الاجتماعية.. من يقف مع الدولة؟
يمكن قراءة الموقف من مشروع الدولة عبر الطبقات الاجتماعية نفسها.
الشباب يريدون فرصاً متساوية في العمل، ولا يريدون أن يكون مستقبلهم مرتبطاً بالحزب أو الواسطة.
الطبقة الوسطى تريد مؤسسات مستقرة تحمي مدخراتها ومشاريعها.
رجال الأعمال يريدون قانوناً واضحاً وبيئة استثمارية مستقرة.
الموظف يريد مؤسسة تحمي حقوقه بعيداً عن التدخل السياسي.
العائلة العراقية تريد الأمن والخدمات والتعليم والصحة.
والفئات الفقيرة تريد دولة توفر لها الحماية الاجتماعية والعمل بدلاً من أن تستخدم حاجتها في الصراعات السياسية.
هذه الفئات قد لا تتحدث بصوت سياسي واحد، لكنها تلتقي عند مطلب واحد:
الدولة أولاً.
من يريد الدولة ومن يريد النفــــــوذ؟
المشكلة أن بناء الدولة يعني بالضرورة تقليص مساحة النفوذ غير الرسمي فعندما تصبح المؤسسات أقوى، تتراجع الحاجة إلى الوسيط وعندما يصبح القضاء أكثر استقلالاً، تتراجع قدرة النفوذ السياسي على التدخل.وعندما يصبح الاقتصاد أكثر تنظيماً، تتراجع قدرة شبكات المصالح على التحكم بالموارد وعندما يصبح السلاح حصراً بيد الدولة، تتغير معادلة الأمن والسياسة بصورة جذرية.
ولهذا فإن مقاومة الإصلاح قد لا تظهر دائماً بصورة رفض مباشر، بل يمكن أن تظهر على شكل تأخير أو تعطيل أو حملات سياسية وإعلامية أو محاولات لإفراغ القرارات من مضمونها.
الدولة لا تعادي أحداً.. الدولة تحكم الجميع
من المهم أن تكون رسالة حكومة الزيدي واضحة: مشروع الدولة ليس مشروع إقصاء.لا ينبغي أن يشعر أي مكون أو حزب أو تيار بأن حصر السلاح يعني استهدافه، بل يجب أن يكون الجميع تحت القانون نفسه,فالدولة القوية لا تنتقم من خصومها، وإنما تطبق القانون عليهم وعلى أنصارها بالمعيار نفسه.وإذا كانت الحكومة تريد إقناع المجتمع بحصر السلاح، فعليها في المقابل أن تثبت أن مؤسسات الدولة عادلة، وأن القانون لا يستخدم ضد طرف ويُستثنى منه طرف آخر.وهنا يصبح الإصلاح السياسي والقضائي والأمني جزءاً من معركة واحدة.
لا حكومة فوق الدولة.. ولا قوة فوق القانون
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الصراع السياسي إلى صراع على تعريف الدولة نفسها.
الحكومة ليست الدولة.
الحزب ليس الدولة.
الفصيل ليس الدولة.
البرلمان ليس الدولة وحده.
المعارضة ليست الدولة.
والشارع ليس بديلاً عن مؤسساتها.
الدولة هي مجموع المؤسسات الدستورية والقانونية التي تحكم الجميع.
ولهذا يمكن إسقاط حكومة، ويمكن تغيير رئيس الوزراء، ويمكن تغيير الوزراء والسياسات، لكن لا يجوز أن يكون إسقاط الحكومة مقدمة لإسقاط هيبة الدولة.
الزيدي أمام امتحان الإنجاز والسيادة
في النهاية، أمام حكومة علي الزيدي امتحانان متلازمان.
الأول هو امتحان الإنجاز: هل تستطيع تنفيذ مشاريع السكن والخدمات، وضبط الإنفاق، ومكافحة الفساد، وتحريك الاستثمار، وإصلاح الاقتصاد والمصارف، ودعم الصناعة والزراعة، وتوفير فرص العمل؟
والثاني هو امتحان الدولة: هل تستطيع توحيد القرار الأمني، وترسيخ سلطة المؤسسات، وحصر السلاح، ومنع استخدام الشارع والمواطن والطائفة كأدوات للضغط السياسي؟
النجاح في أحدهما دون الآخر لن يكون كافياً.
فحكومة تنجح في الخدمات لكنها تفشل في فرض سلطة القانون ستبقى دولة ناقصة القوة.وحكومة تفرض الأمن لكنها تفشل في الاقتصاد والخدمات ستبقى عاجزة عن بناء قاعدة اجتماعية حقيقية.أما الحكومة التي تستطيع الجمع بين الإنجاز والسيادة، فقد تكون قادرة على نقل العراق من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة.وهنا تصبح مشاريع الحكومة ليست مجرد أرقام وتخصيصات، وإنما أدوات لإعادة بناء علاقة المواطن بالدولة.فإذا وجد المواطن السكن والخدمة والعمل والأمن والقانون، فلن يكون بحاجة إلى حزب يحميه، ولا إلى جهة مسلحة تحمي مصالحه، ولا إلى خطاب طائفي يخيفه من الآخر.وهذا هو جوهر مشروع الدولة.
العراق لا يحتاج إلى حكومة أقوى من الأحزاب، ولا إلى حزب أقوى من الحكومة، ولا إلى فصيل أقوى من مؤسسات الدولة.
العراق يحتاج إلى دولة أقوى من الجميع.
فالجيش للدولة، والشرطة للدولة، والقضاء للدولة، والمال العام للدولة، والقرار السيادي للدولة.
ومن حق أي حزب أو تيار أن يعارض الحكومة، ومن حق المواطن أن ينتقدها، ومن حق البرلمان أن يحاسبها، لكن لا يمكن أن توجد سلطة فوق القانون أو سلاح خارج القرار الوطني.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي سيحسم مستقبل حكومة الزيدي ليس: كم خصماً سيواجه؟
بـــل:هل يستطيع أن يجعل المواطن يشعر بأن الدولة هي الطرف الأقوى والأكثر عدلاً والأكثر حضوراً في حياته؟
إذا تحقق ذلك، فإن الطبقات الاجتماعية التي تبحث عن الاستقرار والعمل والكرامة ستقف مع الدولة، لا لأن الحكومة طلبت منها ذلك، وإنما لأنها ستجد في الدولة مصلحتها ومستقبلها.أما إذا بقيت الدولة طرفاً بين أطراف متعددة، فإن العراق سيبقى يدور في الحلقة نفسها: حكومات تتغير، ومشاريع تتبدل، لكن موازين القوة تبقى ثابتة.ولهذا فإن معركة حصر السلاح ليست معركة علي الزيدي وحده، ولا معركة الحكومة وحدها، بل معركة الدولة العراقية كلها.انتقدوا الحكومة، حاسبوها، عارضوها، وأسقطوها إذا فشلت عبر الدستور والانتخابات والمؤسسات، لكن لا تسقطوا الدولة معها.أوقفوا استغلال المواطن البسيط، ولا تجعلوا فقره وبطالته ومعاناته وقوداً لصراعات الكبار.ولا تجعلوا الطائفة وقوداً لمعركة سياسية، ولا السلاح بديلاً عن القانون، ولا الشارع بديلاً عن المؤسسات.فالحكومة يمكن أن تتغير، ورئيس الوزراء يمكن أن يغادر منصبه، والوزير يمكن أن يرحل، أما الدولة العراقية فهي ملك العراقيين جميعاً.
لا دولة غير الدولة العراقية، ولا سلاح خارج مؤسساتها، ولا سلطة فوق القانون، ولا طائفة فوق الدولة، ولا يجوز أن يتحول المواطن البسيط إلى ضحية لصراع النفوذ.







