حرية
الاستخبارات الدنماركية تتهم موسكو بالإعداد لضربات تخريبية ضد قطاع الدفاع
حذّرت أجهزة الاستخبارات الدنماركية، اليوم الخميس، من تحركات روسية قالت إنها تستهدف قطاع الصناعات الدفاعية في البلاد، مؤكدة أن أجهزة أمنية روسية تعمل بصورة نشطة للتحضير لعمليات تخريب محتملة، في تطور يعكس تصاعد المخاوف الأوروبية من انتقال المواجهة مع موسكو إلى الداخل الأوروبي.
وقالت الاستخبارات الدنماركية، في بيان نقلته وكالة «فرانس برس»، إن أجهزة الاستخبارات الروسية تعمل بشكل نشط على الإعداد لعمليات تخريب تستهدف الصناعات الدفاعية الدنماركية، مشيرة إلى أن التحركات تشمل تجنيد مواطنين دنماركيين عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنفيذ مهام استطلاعية.
وبحسب البيان، يُطلب من هؤلاء الأشخاص التقاط صور لمواقع ومنشآت يمكن أن تستخدم لاحقاً في التخطيط لعمليات تخريب، وهو ما اعتبرته السلطات الدنماركية مؤشراً على اعتماد موسكو أساليب غير تقليدية لجمع المعلومات والاستعداد لعمليات محتملة.
وقال رئيس قسم مكافحة التجسس في جهاز الأمن والاستخبارات الدنماركي، إميل غرايسهولم، إن طبيعة هذه العمليات لا تتطابق بالضرورة مع الصورة التقليدية لعمليات التجسس، موضحاً أن التحركات قد تتم من خلال أساليب بسيطة وغير لافتة للانتباه، بما في ذلك استدراج أشخاص عاديين لتنفيذ مهام محددة.
ودعت أجهزة الاستخبارات الدنماركية شركات الصناعات الدفاعية إلى رفع مستوى إجراءاتها الأمنية، مؤكدة أهمية اتخاذ القطاع بمجمله التدابير اللازمة لحماية منشآته ومعلوماته، في وقت بدأت فيه جهات عدة داخل القطاع بالفعل بتعزيز إجراءات الحماية.
ويأتي التحذير الدنماركي بالتزامن مع تحرك أوروبي ضد روسيا، بعدما استدعت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي ممثلين روساً، على خلفية اتهامات ألمانية لموسكو بالوقوف وراء ما وصفته برلين بـ«هجوم هجين».
وتتصل الاتهامات بحادثة وقعت مطلع آب/أغسطس، تمثلت بإرسال طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات فوق مطار لايبزيغ الاستراتيجي المستخدم من قبل الجيش الألماني وحلف شمال الأطلسي، فيما وصفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، الحادث بأنه يحمل سمات «عمل إرهابي تدعمه دولة».
وتواجه روسيا منذ أشهر اتهامات أوروبية متزايدة بتنفيذ أو دعم عمليات تخريب تستهدف الدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا، بالتزامن مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت عام 2022.
من الحرب في أوكرانيا إلى «حرب الظل» داخل أوروبا
التحذير الدنماركي لا يحمل أهمية أمنية محلية فقط، بل يعكس تحولاً أوسع في طبيعة المواجهة بين روسيا والدول الأوروبية. فبدلاً من اقتصار الصراع على ساحات القتال في أوكرانيا، تتزايد المخاوف الأوروبية من استخدام موسكو أدوات الضغط غير المباشر، مثل التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية والاستطلاع الميداني.
ويكتسب قطاع الصناعات الدفاعية أهمية خاصة، لأنه أصبح أحد القطاعات الأكثر ارتباطاً بالحرب في أوكرانيا، مع توسع الدول الأوروبية في إنتاج الأسلحة والذخائر ورفع الإنفاق الدفاعي وتعزيز قدراتها العسكرية.
ومن هذه الزاوية، فإن استهداف منشآت الدفاع الأوروبية ــ حتى من دون تنفيذ هجمات مباشرة ــ يمكن أن يحقق هدفاً استراتيجياً يتمثل في إرباك خطوط الإنتاج وإبطاء عمليات التسليح ورفع كلفة الدعم الأوروبي لأوكرانيا.
كما أن الحديث عن تجنيد مواطنين عاديين عبر شبكات التواصل الاجتماعي يكشف عن تغير في أدوات العمل الاستخباري، إذ لم تعد العمليات السرية تعتمد بالضرورة على عملاء محترفين، وإنما يمكن توظيف أشخاص عاديين في مهام تبدو محدودة، لكنها قد توفر معلومات ميدانية ذات قيمة للجهات التي تقف خلفها.
أوروبا أمام مرحلة أمنية أكثر تعقيداً
وتشير التطورات المتلاحقة إلى أن الدول الأوروبية باتت تتعامل مع احتمال استمرار ما تسميه «الحرب الهجينة»، والتي يصعب أحياناً الفصل فيها بين العمل الاستخباري والعمليات التخريبية والضغط السياسي.
وبالنسبة إلى الدنمارك، فإن رفع مستوى التحذير الأمني يأتي في وقت يتزايد فيه اعتماد أوروبا على صناعاتها الدفاعية المحلية، ما يجعل حماية المصانع والمنشآت ومراكز الأبحاث وسلاسل الإمداد جزءاً أساسياً من الأمن القومي.
وفي حال تأكدت الاتهامات الدنماركية والأوروبية بشأن وجود نشاط روسي منظم، فإن المواجهة قد تدخل مرحلة جديدة، عنوانها «حرب الظل» داخل القارة الأوروبية، حيث لا تكون المنشآت العسكرية وحدها في دائرة الاستهداف، بل أيضاً المصانع والشركات والبنية التحتية والأفراد الذين يمكن استخدامهم لجمع المعلومات أو تنفيذ عمليات محدودة.
وهذا المسار يضع أوروبا أمام معادلة أمنية صعبة: كلما توسع دعمها العسكري لأوكرانيا، زادت الحاجة إلى حماية جبهتها الداخلية من عمليات قد لا تأخذ شكل هجوم عسكري تقليدي، لكنها قادرة على إحداث أضرار استراتيجية بأقل تكلفة.







