رغد بنت زيد
في اللحظة التي دخلت فيها إيران مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بدا لافتاً أن حليفين بحجم روسيا والصين اختارا الوقوف عند حدود الدعم السياسي، دون الانخراط العسكري. هذا الموقف لا يمكن تفسيره بالحياد، ولا بالتخلي عن إيران، بل بمنطق أكثر برودة: منطق المصالح الكبرى وإدارة الصراع لا خوضه.
السياسة الدولية لا تُدار بمنطق الصداقة، بل بمنطق توازن القوى. ومن هذا المنطلق، ترى موسكو وبكين أن الدخول في حرب مباشرة إلى جانب إيران يعني عملياً مواجهة مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو لا تريده أي من القوتين حالياً. فروسيا غارقة في حرب طويلة في أوكرانيا، والصين تستعد لمواجهة استراتيجية طويلة مع واشنطن في شرق آسيا، وتحديداً حول تايوان وبحر الصين الجنوبي. لذلك، فإن فتح جبهة ثالثة في الشرق الأوسط سيكون استنزافاً استراتيجياً لا يمكن تحمله.
لكن الأهم من ذلك أن استمرار الحرب، لا انتهاؤها، قد يكون في مصلحة موسكو وبكين. فكل صاروخ يُطلق في الشرق الأوسط يعني صاروخاً اعتراضياً أقل في أوكرانيا، وكل حاملة طائرات تتجه إلى الخليج هي حاملة طائرات تبتعد عن بحر الصين الجنوبي. بمعنى آخر، الحرب في الشرق الأوسط تعيد توزيع القوة العسكرية الأميركية بعيداً عن الجبهات التي تعتبرها روسيا والصين أكثر أهمية.
بالنسبة إلى الصين، فإن أولويتها الاستراتيجية ليست إيران، بل تايوان. والتهديد الحقيقي في نظر بكين ليس ما يحدث في طهران، بل ما يحدث في المحيط الهادئ. لذلك، فإن أفضل سيناريو صيني هو انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لأن ذلك يمنح الصين وقتاً ومساحة أوسع للتحرك في آسيا دون ضغط عسكري أميركي مكثف.
أما روسيا، فإنها تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة: الاقتصاد والطاقة. فكلما ارتفعت أسعار النفط والغاز بسبب الحرب، زادت عائدات روسيا. وكلما انشغلت واشنطن في الشرق الأوسط، تراجع تركيزها على دعم أوكرانيا عسكرياً. لذلك، فإن استمرار التوتر في الشرق الأوسط يخدم موسكو استراتيجياً حتى لو لم تشارك فيه عسكرياً.
هناك سبب آخر أكثر عمقاً: روسيا والصين لا تمتلكان تحالفاً عسكرياً رسمياً مع إيران. العلاقة بين هذه الدول هي شراكة مصالح وليست تحالف دفاع مشترك. بمعنى أنه لا يوجد التزام قانوني يلزم موسكو أو بكين بالدفاع عن طهران إذا تعرضت لهجوم، كما هو الحال في حلف الناتو مثلاً.
كما أن دخول روسيا أو الصين الحرب سيحوّل الصراع فوراً إلى حرب عالمية، وليس حرباً إقليمية، وهو ما تحاول هذه الدول تجنبه. لذلك، فإن الاستراتيجية الحالية تقوم على دعم إيران بما يكفي لكي لا تسقط، ولكن ليس بما يكفي لكي تنتصر بسرعة. إنها سياسة منع الهزيمة دون ضمان النصر.
في هذا السياق، يمكن فهم الموقف الروسي والصيني على أنه جزء من صراع عالمي أكبر مع الولايات المتحدة، صراع لا يُحسم في معركة واحدة، بل في سلسلة أزمات تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط إلى تايوان. وفي كل ساحة من هذه الساحات، تحاول القوى الكبرى استنزاف بعضها البعض دون الوصول إلى مواجهة مباشرة شاملة.
الخلاصة أن روسيا والصين لا تتركان إيران لأنها ليست مهمة، بل لأن الحرب المباشرة ليست في مصلحتهما الآن. فالدول الكبرى لا تدخل الحروب من أجل الحلفاء، بل عندما تكون الحرب نفسها في مصلحتها. وحتى الآن، ترى موسكو وبكين أن أفضل دور لهما في هذه الحرب هو البقاء خارجها… ومراقبتها وهي تستنزف خصومهما.







