حرية
بقلم د: نادية الجدوع
(أني ما جاي أبني حكومة، جاي أبني دولة… الفساد لازم ينتهي) . بهذه العبارة، يضع علي الزيدي جوهر التحدي العراقي أمام اختبار تاريخي يتجاوز حدود تشكيل الحكومات وإدارة الملفات اليومية، ليطرق باب السؤال الأكثر عمقاً: كيف ننتقل من سلطة تدير الأزمات إلى دولة تصنع الاستقرار وتؤسس للمستقبل؟
إن بناء الدولة ليس شعاراً سياسياً عابراً، بل مشروع لإعادة هندسة العلاقة بين السلطة والقانون والاقتصاد والمجتمع.
فالدولة القوية لا تُقاس بعدد مؤسساتها، وإنما بقدرتها على فرض القانون، وحماية المال العام، وإنتاج الثقة، وتحويل الموارد الوطنية إلى تنمية ملموسة يشعر المواطن بعائدها في حياته اليومية.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا يمثل الفساد مجرد انحراف إداري أو خلل مالي؛ بل هو استنزاف ممنهج لفرص التنمية، وتشويه لمعادلة المنافسة، وتعطيل للاستثمار، وإضعاف لهيبة المؤسسات.
لذلك، فإن إنهاءه يتطلب الانتقال من المعالجات الانتقائية إلى منظومة متكاملة تقوم على استقلال الرقابة، وشفافية العقود، ورقمنة الإجراءات الحكومية، ومساءلة المسؤولين، وتجفيف منابع تضارب المصالح.
لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في إعلان الحرب على الفساد، بل في القدرة على تحويل الإعلان إلى مؤسسات وإجراءات ونتائج قابلة للقياس.
فالإصلاح الذي لا يمسّ بنية الامتيازات غير المشروعة يبقى محدود الأثر، والتنمية التي لا تحمي المال العام تتحول إلى أرقام بلا استدامة.
الئ إن العراق بحاجة إلى عقد مؤسسي جديد، تتقدم فيه الكفاءة على المحاصصة، والمواطنة على الولاءات الضيقة، والإنتاج على اقتصاد الريع.
فبناء الدولة يبدأ حين يصبح القانون أقوى من النفوذ، والمصلحة الوطنية أعلى من المصالح الفئوية، والمال العام أمانة لا غنيمة.







