حرية
بين بساتين الرمان التي تتدرج ألوان ثمارها من الأخضر إلى الأحمر، وأسواق الخريف التي تفوح منها روائح المنتجات المحلية والمأكولات الشعبية، تستقبل مدينة حلبجة زوارها في مشهد يجمع الزراعة بالتراث والسياحة، مع انطلاق النسخة الثانية عشرة من مهرجان الرمان والخريف، الذي لم يعد مجرد مناسبة لعرض محصول موسمي، بل تحول إلى نافذة اقتصادية وثقافية تعرّف العراق بما تختزنه المدينة من خيرات وإمكانات.
ومنذ الأربعاء 28 تشرين الأول 2026، تتجه الأنظار إلى حلبجة التي تستمر فعاليات مهرجانها حتى السبت 31 من الشهر ذاته، وسط مشاركة واسعة من المزارعين والمنتجين والحرفيين، وتوقعات بتوافد أعداد كبيرة من الزوار القادمين من مختلف المحافظات، في وقت تتحول فيه ساحات المهرجان إلى مساحة نابضة بالحركة والتجارة والأنشطة التراثية.
ولا يبدو الرمان في هذه المناسبة مجرد ثمرة تتصدر الأكشاك، فهو حاضر في تفاصيل المشهد بوصفه جزءاً من هوية حلبجة الزراعية ورمزاً لما تمنحه أرضها لأهلها.
وتشتهر المدينة بأصناف مميزة، أبرزها السالخاني والملسي واللارشا، التي تحظى بإقبال المستهلكين لما تتمتع به من خصائص وجودة، فيما يجد المزارعون في المهرجان فرصة لعرض إنتاجهم مباشرة أمام الزوار والتعريف بمنتجاتهم.
وتكشف أرقام المشاركة عن اتساع النشاط الاقتصادي المصاحب للفعالية، إذ يشارك في الدورة الحالية 552 مزارعاً ومنتجاً وصاحب مشروع، فيما تجاوز عدد الأكشاك المخصصة لعرض المنتجات الزراعية والغذائية والحرف اليدوية والمأكولات الشعبية 500 كشك، لتتحول ساحات المهرجان إلى سوق مفتوحة تعكس تنوع الإنتاج المحلي وقدرة المشاريع الصغيرة على الوصول إلى جمهور أوسع.
وخلال افتتاح المهرجان، وصفت محافظة حلبجة نوخشة ناصح المناسبة بأنها باتت تشكل هوية وطنية للمحافظة، مشيرة إلى أن النسخة الحالية تقام تحت شعار “الوطن يشبه رمان حلبجة”، وأن المنتجات المحلية تجاوزت الأسواق العراقية لتصل إلى أسواق خارج البلاد، في إشارة إلى الطموح بتحويل الإنتاج الزراعي إلى حضور تجاري أوسع.
لكن الحركة التي يصنعها المهرجان لا تتوقف عند حدود بيع الرمان والمنتجات المعروضة؛ فكل زائر يدخل المدينة ينعش، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سلسلة من الأنشطة المرتبطة بالسياحة والخدمات.
المطاعم والفنادق ووسائل النقل والأسواق المحلية تستفيد من تدفق الزوار، فيما تجد العائلات المنتجة وأصحاب المشاريع الصغيرة فرصة لتوسيع قاعدة زبائنهم وتحقيق عوائد إضافية، إلى جانب ما يوفره الموسم من فرص عمل مؤقتة.
وفي قلب هذا النشاط، تحضر النساء بقوة من خلال عرض الصناعات المنزلية والأطعمة التقليدية والمشغولات اليدوية، في صورة تعكس دور المرأة في الاقتصاد المحلي، وقدرتها على تحويل المهارات التي اكتسبتها داخل المنزل إلى منتجات قابلة للتسويق ومصدر للدخل، بما يجعل المهرجان مساحة لدعم الإنتاج العائلي إلى جانب النشاط الزراعي.
ولا يغيب التراث عن هذه التظاهرة، إذ يتضمن برنامجها عروضاً فنية وفلكلورية وفعاليات تستحضر الموروث الاجتماعي للمدينة، فضلاً عن مسابقات لاختيار أكبر ثمرة رمان وأفضل الأكشاك تنظيماً ونظافة، لتتداخل أجواء المنافسة والاحتفال مع النشاط التجاري، ويجد الزائر أكثر من سبب للتجول بين أجنحة المهرجان.
ويبدو تنامي الإقبال على المهرجان واضحاً عند مقارنة أعداد زواره في السنوات الماضية؛ فقد سجلت نسخة عام 2024 حضوراً يقارب 300 ألف زائر، فيما أعلن المنظمون أن نسخة عام 2025 استقطبت أكثر من 400 ألف شخص، وهي أرقام تعكس اتساع مكانة حلبجة على خريطة السياحة الداخلية، وتحول المهرجان إلى موعد سنوي ينتظره المنتجون والزوار على حد سواء.
غير أن الرهان الأكبر يتجاوز نجاح أيام المهرجان، فالموسم يطرح سؤالاً اقتصادياً مهماً بشأن كيفية تحويل هذا الإقبال إلى مكاسب مستدامة للمحافظة ومزارعيها.
ويتطلب ذلك تطوير الصناعات الغذائية القائمة على الرمان، وتوفير مرافق حديثة للتعبئة والتغليف والخزن المبرد، إلى جانب تحسين قنوات التسويق والتصدير، حتى لا تبقى قيمة المحصول مرتبطة بفترة حصاده والطلب الموسمي عليه.
كما يعيد المهرجان تسليط الضوء على التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، وفي مقدمتها شح المياه والتغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وهي عوامل تجعل دعم المزارعين وتوفير البنية التحتية اللازمة لحماية محاصيلهم شرطاً مهماً لاستمرار هذا النشاط وتوسيع قدرته على المنافسة.
وتحمل حلبجة، التي ارتبط اسمها عالمياً بمأساة إنسانية تركت أثراً عميقاً في ذاكرتها، صورة أخرى تقدمها اليوم عبر بساتينها وأسواقها وفعالياتها الثقافية. فمن مدينة استحضر العالم اسمها طويلاً مع الألم، إلى وجهة تستقبل الزوار بثمار أرضها وألوان خريفها، تحاول المحافظة أن تجعل من الزراعة والسياحة والحرف المحلية مسارات للحياة والتنمية.
ومع استمرار المهرجان حتى نهاية الأسبوع، تبدو حلبجة وكأنها تقدم حكايتها بلغة مختلفة؛ لغة الرمان الذي يجمع المزارع بالزائر، والمنتج بالسوق، والتراث بفرص العمل.
فالثمرة التي تنضج في بساتينها لم تعد مجرد محصول ينتظر موسم البيع، بل أصبحت عنواناً لهوية المدينة ومحاولة لتحويل خيرات الأرض إلى مستقبل اقتصادي أكثر اتساعاً.















