حرية
بعد قرن من اكتشاف أور وجمدة نصر.. العراق يملك حضارته وعلماءه لكن «الرواية الأثرية» ما زالت تُكتب خارجه
بعد نحو قرن على اكتشاف مواقع أثرية غيّرت فهم العالم لبدايات المدن والكتابة والإدارة، يعود العراق إلى واجهة النقاش الأثري الدولي، ليس بسبب اكتشاف جديد فحسب، بل بسبب سؤال أكثر حساسية: من يملك حق كتابة قصة الحضارة التي نشأت على أرض العراق؟
وسلّط تقرير حديث الضوء على مرور مئة عام على عدد من أبرز الاكتشافات الأثرية في بلاد الرافدين، وفي مقدمتها أعمال التنقيب في مدينة أور وموقع جمدة نصر، وما كشفته تلك المواقع من معلومات أساسية عن نشوء المدن، والمؤسسات العامة، والتجارة بعيدة المدى، وأنظمة الكتابة والإدارة في المجتمعات القديمة.
ويكتسب موقع جمدة نصر أهمية خاصة، إذ اكتُشف عام 1925 خلال أعمال التنقيب في موقع كيش، وسرعان ما أدت المكتشفات فيه إلى تحديد مرحلة حضارية حملت اسم الموقع، تعود تقريباً إلى الفترة الممتدة بين 3200 و2900 قبل الميلاد.
أما أور، فقد أصبحت واحدة من أبرز المواقع التي أعادت تشكيل فهم الباحثين للحياة الحضرية في بلاد الرافدين، فيما شهد الموقع خلال السنوات الأخيرة أعمالاً بحثية مشتركة بين علماء عراقيين ودوليين، تؤكد أن الإرث العلمي لتلك الاكتشافات لم ينتهِ، وأن التقنيات الحديثة ما زالت قادرة على طرح أسئلة جديدة حول المدينة القديمة والمجتمع والاقتصاد.
وفي إقليم كردستان، تتواصل أعمال التنقيب في مواقع مثل شاخي كورا ضمن مشروع تقوده جامعة غلاسكو بالتعاون مع مؤسسات الآثار المحلية، بهدف إعادة بناء صورة العلاقات بين المجتمعات الجبلية وسهول بلاد الرافدين، وفهم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة عبر آلاف السنين.
لكن الاحتفاء بالماضي أعاد إلى الواجهة مشكلة الحاضر؛ وهي أن علماء الآثار العراقيين، رغم كونهم أصحاب الأرض والخبرة المتراكمة، لا يزالون ممثلين بصورة أقل من المطلوب في المؤسسات والهيئات التي تحدد أولويات البحث الأثري وتشارك في صياغة التفسيرات العلمية المتعلقة بتاريخ العراق.
ويشير التقرير إلى أن صورة علم الآثار العراقي في الإعلام الدولي غالباً ما ارتبطت خلال العقود الماضية بالنهب والتدمير والأزمات، بدءاً من تداعيات عام 2003، مروراً بجرائم تنظيم داعش، وصولاً إلى المواقع المهددة بفعل الإهمال والتغير المناخي.
ولا ينكر هذا الواقع حجم المخاطر التي تعرض لها التراث العراقي، إلا أن اختزال علم الآثار في العراق بقصة «الإنقاذ من الكارثة» يؤدي، بحسب الطرح الذي يقدمه التقرير، إلى صورة غير متوازنة تظهر المؤسسات الدولية بوصفها صاحبة الخبرة والمبادرة، فيما يظهر الباحث العراقي في كثير من الأحيان بوصفه متلقياً للدعم لا شريكاً كاملاً في إنتاج المعرفة.
العراق يريد استعادة موقعه في كتابة تاريخه
ومن أبرز الأمثلة على محاولة تغيير هذه المعادلة اجتماع نحو 20 عالماً ومتخصصاً عراقياً وكردياً في مجال الآثار والتراث مع باحثين دوليين في غلاسكو خلال أيار 2025، لمناقشة مستقبل البحث الأثري في العراق وتحديد القضايا التي ينبغي أن تحظى بالأولوية.
وتناولت المناقشات قضايا تتجاوز التنقيب التقليدي، من المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى مشاركة النساء في العمل الأثري، والتغير المناخي، ومستقبل حماية المواقع التراثية.
والأهم أن المشاركين العراقيين والكرد طُلب منهم تحديد القضايا التي يرونها أكثر إلحاحاً، في خطوة تعكس تحولاً من نموذج تفرض فيه المؤسسات الخارجية أجندة البحث، إلى نموذج يشارك فيه الباحثون والمؤسسات العراقية في تحديد الأسئلة التي ينبغي أن يبحث عنها علم الآثار.
ويبرز ملف مشاركة النساء بوصفه مثالاً واضحاً على الفجوة بين التعليم والممارسة؛ إذ يشير التقرير إلى أن النساء يشكلن نحو 70 في المئة من طلبة الآثار في جامعة القادسية، مقابل نحو 2 في المئة فقط من أعضاء فرق التنقيب العراقية ونحو 15 في المئة من القيادات الأكاديمية.
وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد العاملين في الحقل الأثري، بل بقدرة المؤسسات العراقية على تحويل التعليم الجامعي إلى حضور فعلي في مواقع التنقيب والقيادة الأكاديمية وصناعة القرار.
كما شهدت الفترة التي أعقبت ورشة غلاسكو خطوات داخل المؤسسات العراقية، بينها ترقية امرأتين إلى مناصب عليا في جامعة القادسية وتعزيز التعاون بين الجامعات العراقية ومجلس الدولة للآثار والتراث، بحسب التقرير.
المفارقة العراقية تكمن في أن البلد الذي أعطى العالم واحدة من أقدم التجارب الحضرية وأنظمة الكتابة والإدارة، ما زال يخوض معركة لإثبات أن علماءه ليسوا مجرد مساعدين في دراسة حضارته.
فالمشكلة لم تعد في غياب المواقع الأثرية أو ندرة الاكتشافات؛ العراق يمتلك من المادة التاريخية ما يكفي لإنتاج أجيال من الأبحاث العلمية. التحدي الحقيقي يتمثل في من يحدد الأسئلة، ومن يمتلك البيانات، ومن يقود المشاريع، ومن يكتب التفسير النهائي للتاريخ العراقي.
وهنا تبدو الشراكة الدولية مهمة، لكنها تصبح أكثر قيمة عندما تقوم على التكافؤ ونقل المعرفة وبناء المؤسسات، وليس على استبدال القدرات المحلية. وهذا الاتجاه ليس مستحيلاً؛ فمشاريع حديثة في العراق تجمع بالفعل بين الجامعات والجهات الأثرية العراقية والفرق الدولية، كما تؤكد برامج تدريب دولية حديثة أهمية تعزيز القدرات الوطنية في حماية وإدارة مواقع التراث العراقي.
ولذلك فإن الذكرى المئوية لا ينبغي أن تكون مجرد مناسبة لاستعادة صور اكتشاف أور وجمدة نصر في أرشيفات المتاحف والجامعات الأجنبية، بل فرصة لطرح سؤال عراقي واضح: بعد مئة عام من اكتشاف حضارتنا، هل حان الوقت لأن يكون العراقيون في مقدمة من يكتشفونها ويفسرونها ويكتبون مستقبلها العلمي؟
فالاكتشاف الأثري الكبير لا ينتهي عندما تخرج القطعة من الأرض؛ بل يبدأ عندما يمتلك أصحاب الأرض القدرة العلمية والمؤسسية على تفسيرها وحمايتها وتحويلها إلى معرفة عراقية وعالمية مستدامة.







