حرية
أصدر القضاء العراقي، اليوم الأحد، حكماً بالحبس لمدة ستة أشهر بحق النائب السابق كاظم الصيادي، على خلفية إدانته بجريمة ابتزاز، في خطوة تأتي بالتزامن مع صدور أحكام قضائية أخرى طالت شخصيات شغلت مناصب نيابية وتنفيذية.
وقال مصدر مطلع إن الحكم الصادر بحق الصيادي يقضي بالحبس لمدة ستة أشهر عن جريمة الابتزاز، وفقاً لما انتهت إليه الإجراءات القضائية في القضية.
وفي السياق ذاته، صدرت اليوم أحكام بالسجن لمدة سبع سنوات بحق النائب السابق طلال الزوبعي ووكيل وزارة النفط علي معارج، على خلفية قضايا تتعلق بالفساد المالي، وفق المصدر.
وتأتي هذه الأحكام في وقت يشهد فيه العراق تصاعداً في الحديث عن ضرورة تشديد الإجراءات القضائية بحق المتورطين في قضايا الفساد واستغلال المنصب، ولا سيما مع وضع مكافحة الفساد ضمن الملفات التي تحظى باهتمام حكومي وسياسي متزايد.
القضاء أمام اختبار استعادة الثقة
وتحمل الأحكام الأخيرة دلالة تتجاوز العقوبات الصادرة بحق الأسماء المشمولة بالقضايا، إذ تضع ملف مكافحة الفساد أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرة المؤسسات القضائية والرقابية على الوصول إلى المسؤولين السابقين ومحاسبتهم بعد مغادرتهم مواقع السلطة.
فإصدار أحكام بحق شخصيات كانت تمتلك نفوذاً سياسياً أو إدارياً يرسل رسالة بأن انتهاء المسؤولية الوظيفية لا يعني انتهاء المساءلة القانونية، وأن المنصب العام لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء يحول دون المحاسبة.
لكن في المقابل، فإن نجاح أي مسار لمكافحة الفساد لا يقاس بعدد الأحكام وحده، وإنما بقدرته على الوصول إلى أصل المخالفات، واسترداد الأموال العامة، وكشف شبكات المصالح التي سمحت بحدوث التجاوزات، ومنع تكرارها مستقبلاً.
من العقوبة إلى استرداد المال العام
ويبرز هنا تحدٍ آخر أمام مؤسسات الدولة، يتمثل في تحويل الأحكام القضائية إلى نتائج ملموسة على مستوى استرداد الأموال والأصول الناتجة عن جرائم الفساد، وضمان عدم اقتصار المعالجة على العقوبة الشخصية للمدان.
فالفساد المالي، عندما يرتبط بمواقع حكومية أو مؤسسات عامة، لا يمثل مخالفة فردية فحسب، بل يمكن أن ينعكس على المال العام وكفاءة المؤسسات وثقة المواطن بالدولة.
ومن هذه الزاوية، فإن الأحكام الجديدة يمكن أن تشكل جزءاً من مسار أوسع إذا ترافقت مع تحقيقات مالية دقيقة، وتتبع للأموال، ومراجعة للقرارات التي تسببت بالضرر، ومحاسبة جميع المتورطين، بصرف النظر عن مواقعهم أو نفوذهم السابق.
هل نحن أمام مرحلة جديدة؟
التطورات القضائية المتلاحقة تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تتحول مكافحة الفساد في العراق من حملات متفرقة إلى مسار مؤسسي مستمر لا يتأثر بالتحولات السياسية؟
الإجابة ستتوقف على قدرة الدولة على ضمان استقلال الإجراءات القانونية، وتوحيد عمل الجهات الرقابية والقضائية، وعدم التعامل مع ملفات الفساد بمنطق الانتقائية أو ردود الفعل المؤقتة.
وفي النهاية، فإن قيمة هذه الأحكام لا تكمن فقط في مدة الحبس أو السجن التي صدرت بحق المدانين، بل في قدرتها على ترسيخ قاعدة واضحة مفادها أن السلطة مسؤولية وليست حصانة، وأن مغادرة المنصب لا تعني الإفلات من الحساب.







