حرية
في التاسع من آذار/مارس 2026، هزّ انفجار محيط كنيس يهودي في مدينة لييج البلجيكية، قبل أن تعلن جهة غامضة تُطلق على نفسها اسم “حركة أصحاب اليمين الإسلامية” مسؤوليتها عن الهجوم، متوعدة بمواصلة استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية “انتقاماً لغزة وإيران ولبنان”.
الهجوم جاء بعد أسابيع من اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط/فبراير، ليفتح الباب أمام موجة عمليات أمنية غامضة ضربت عدة دول أوروبية خلال فترة قصيرة، وسط تحذيرات استخبارية من تصاعد نمط جديد من “الحرب الهجينة” يعتمد على تجنيد شبان غير مؤدلجين لتنفيذ هجمات محدودة ومنخفضة الكلفة.
ووفق تقرير استقصائي أعدّه مركز مكافحة الإرهاب الدولي، استناداً إلى معلومات من أجهزة أمن أوروبية وأمريكية، فقد شهدت أوروبا ما لا يقل عن 15 هجوماً ومحاولة تخريب خلال ستة أسابيع فقط، استهدفت مواقع يهودية ومؤسسات غربية في بلجيكا وهولندا وفرنسا وبريطانيا ومقدونيا الشمالية.
وشملت الهجمات تفجيراً قرب كنيس في لييج، وإحراق مدرسة يهودية في أمستردام، ومحاولات استهداف منشآت مالية أمريكية، إلى جانب عمليات حرق متكررة في لندن وصفها الأمن البريطاني بأنها “حملة منظمة”.
وبحسب التحقيقات، فإن القاسم المشترك بين معظم المنفذين هو أنهم شبان جرى استقطابهم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي مقابل مبالغ مالية، من دون ارتباطات أيديولوجية واضحة، فيما تشير التقديرات الأمنية إلى وجود شبكة تنسيق تعمل من خارج أوروبا.
وفي تطور لافت، أعلنت الولايات المتحدة منتصف أيار/مايو الجاري اعتقال محمد باقر سعد داود الساعدي، المرتبط بكتائب حزب الله العراقية والحرس الثوري الإيراني، بعد توقيفه في تركيا ونقله إلى واشنطن.
وتقول لائحة الاتهام الأمريكية إن الساعدي متورط في التخطيط لنحو 20 هجوماً داخل أوروبا وأمريكا الشمالية، فيما عثر المحققون على مواد رقمية تربطه بالجهة التي أعلنت مسؤوليتها عن العمليات الأخيرة.
ويرى خبراء أمنيون أن طهران باتت تعتمد نموذجاً جديداً يقوم على “التجنيد الإجرامي منخفض الكلفة”، بما يسمح لها بالحفاظ على هامش واسع من الإنكار السياسي، مع إبقاء الضغط الأمني قائماً على خصومها في الغرب.
كما حذرت أجهزة استخبارات أوروبية من أن الغضب الشعبي المتصاعد بسبب الحرب في غزة أصبح بيئة خصبة لتجنيد منفذين جدد، خصوصاً بين فئات الشباب المهاجر أو المهمش.
وفي المقابل، بدأت دول أوروبية باتخاذ إجراءات أمنية مشددة، بينها نشر قوات لحماية المؤسسات اليهودية، وفتح تحقيقات موسعة بشأن الشبكات المرتبطة بإيران.
وأصدرت 14 دولة غربية بياناً مشتركاً أدانت فيه ما وصفته بمحاولات أجهزة مرتبطة بطهران تنفيذ عمليات اغتيال وتهديد ومضايقة داخل أوروبا وأمريكا الشمالية.
ويرى مراقبون أن أوروبا تواجه حالياً نمطاً معقداً من الصراع، يجمع بين الحرب الأمنية والدعاية الرقمية واستغلال الأزمات الإقليمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول التوتر في الشرق الأوسط إلى تهديد مباشر للأمن الداخلي الأوروبي.







