حرية
في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف من استهداف كابلات الإنترنت البحرية في الخليج ومضيق هرمز، يطرح العراق نفسه ممراً بديلاً لحركة البيانات بين آسيا وأوروبا، مستنداً إلى موقعه الجغرافي وشبكة الألياف الضوئية الممتدة عبر أراضيه.
وبينما قد يحوّل أي اضطراب بحري إلى فرصة اقتصادية للبلاد، يبقى السؤال الأهم: هل يمتلك العراق ما يكفي من الجاهزية لتحويل هذا الموقع إلى مركز رقمي إقليمي، من دون أن تتأثر خدمة الإنترنت داخلياً؟
وزير الاتصالات مصطفى سند طمأن، الخميس، إلى أن العراق يمتلك منافذ دولية متعددة تتيح تنويع مسارات الاتصال، مؤكداً أن أي انقطاع محتمل في الكابلات البحرية بالخليج أو مضيق هرمز قد يعزز موقع البلاد في نقل سعات الإنترنت العابرة للحدود، المعروفة بـ«الترانزيت».
وجاءت تصريحات الوزير خلال جلسة حوارية على هامش منتدى حوكمة الإنترنت في العراق 2026 ببغداد، حيث أشار إلى ارتباط العراق بنحو 11 منفذاً حدودياً دولياً، بينها ستة مع إيران، إلى جانب منافذ مع دول الجوار الأخرى.
لكن أهمية هذه التصريحات لا تكمن في عدد المنافذ وحده، بل في طبيعة المسارات التي يمكن أن توفرها.
فالكابلات البحرية تحمل كميات ضخمة من البيانات التي تعتمد عليها الاتصالات والخدمات المالية والحوسبة السحابية، وأي خلل في مساراتها قد يدفع الشركات إلى البحث عن طرق برية بديلة لتقليل مخاطر الانقطاع.
من الجغرافيا إلى الإيرادات يمتلك العراق فرصة لتحويل موقعه بين الخليج وتركيا إلى ممر لنقل البيانات نحو أوروبا، بما يتيح له تسويق سعات الألياف الضوئية لشركات الاتصالات العالمية، وتحقيق إيرادات بالعملة الأجنبية من خدمات العبور، بدلاً من الاكتفاء بدور المستهلك للإنترنت.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الاتصالات في حزيران الماضي تسويق سعات إنترنت عابرة للحدود بالتعاون مع شركة «جي بي آي» القطرية، عبر مشروع «طريق الحضارات»، الذي يربط الفاو في جنوب العراق بربيعة قرب الحدود التركية.
ويستهدف المسار نقل البيانات القادمة من آسيا والخليج باتجاه أوروبا عبر شبكة برية، بما يوفر مساراً بديلاً عن بعض الطرق البحرية التقليدية.
وهنا تبرز المفارقة: اضطراب الكابلات البحرية، إذا وقع، قد يرفع الطلب على المسارات البرية العراقية، لكنه لا يعني تلقائياً أن العراق سيصبح بديلاً كاملاً للكابلات البحرية أو أن خدمة الإنترنت للمواطنين ستبقى بمنأى عن أي خلل.
فذلك يتوقف على سعة الشبكات البرية، وتعدد نقاط الربط الدولية، وقدرتها على استيعاب حركة إضافية، فضلاً عن استمرار الاتصال بالشبكات العالمية عبر المسارات المتاحة.
كما أن وجود مسارات بديلة لا يلغي المخاطر الأمنية والفنية؛ فالألياف البرية تحتاج بدورها إلى حماية وصيانة واستثمارات مستمرة، فيما تتطلب حركة البيانات الدولية اتفاقات تجارية وتنظيماً واضحاً وتنافسية في الأسعار وجودة الخدمة.
الاختبار الحقيقي داخل العراق وبموازاة طموح التحول إلى ممر رقمي إقليمي، دعا الوزير إلى توسيع المجال أمام البرمجة الوطنية وتطوير تطبيقات محلية بأيدٍ عراقية، للحد من الاعتماد الكامل على التطبيقات الأجنبية.
كما أشار إلى ضرورة حسم التداخل في الصلاحيات بين وزارة الاتصالات وهيئة الإعلام والاتصالات، بما يمنع التعقيدات الإدارية ويحدد مسؤولية كل جهة.
وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية لأن التحول إلى مركز لنقل البيانات لا يُقاس بحركة الإنترنت العابرة عبر البلاد وحدها، بل بقدرة البنية الرقمية المحلية على توفير خدمة مستقرة للمواطنين والشركات، وتشجيع الابتكار، وتحويل الاستثمارات التقنية إلى فرص عمل وإيرادات.
وفي ملف المنافسة، أعلن سند حسم الخلافات المتعلقة بمشروع الرخصة الوطنية بالتعاون مع «فودافون»، مشيراً إلى أن المشروع يتجه إلى المنافسة المفتوحة مع شركتي «آسياسيل» و«زين العراق»، وأن القضاء يتجه إلى رفع الأمر الولائي المرتبط بالملف.
ويأتي ذلك امتداداً لمسار حكومي يستهدف إطلاق الرخصة الرابعة والجيل الخامس مطلع عام 2027، وفق تصريحات سابقة للوزير.
أما على مستوى البنية التحتية، فأعلن الوزير تجاوز عدد المشتركين في خدمة الكابل الضوئي مليوني مشترك، ووصول تغطية الشبكات إلى أكثر من خمسة ملايين منزل، إلى جانب تحسن موقع العراق في المؤشرات الدولية، بحسب ما أورده خلال المنتدى.
وتكشف هذه الأرقام، إذا ما اقترنت باستمرار التوسع وتحسن الجودة، عن قاعدة يمكن البناء عليها، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات جاهزية العراق لاستيعاب أي تحول مفاجئ في مسارات البيانات الإقليمية.
فرصة لا تتحقق بالتصريحات وحدهافي المحصلة، يملك العراق عناصر جغرافية ومشروعات قائمة تؤهله للمنافسة على دور أكبر في سوق نقل البيانات، وقد يمنح التوتر في الخليج هذه المشروعات أهمية إضافية.
غير أن الانتقال من «ممر بديل» إلى مركز رقمي موثوق يحتاج إلى استثمارات في السعات والربط والحماية، وإلى تنظيم يحسم الصلاحيات ويضمن المنافسة.
فإذا نجح العراق في استثمار هذه العناصر، فقد تتحول حركة البيانات العابرة إلى مصدر دخل جديد ومكسب استراتيجي يتجاوز قطاع الاتصالات.
أما إذا بقيت المشروعات محدودة السعة أو واجهت عراقيل تنظيمية وفنية، فإن الموقع الجغرافي وحده لن يكون كافياً لانتزاع حصة مستدامة من سوق الإنترنت الدولية.







