حرية
صعّدت إسرائيل لهجتها تجاه تركيا، متهمة أنقرة بممارسة نفوذ عسكري واسع في دول الجوار، في مواجهة الانتقادات التركية للسياسات الإسرائيلية في المنطقة، في مؤشر جديد على انتقال الخلاف بين الجانبين من سجال سياسي ودبلوماسي إلى تنافس استراتيجي مفتوح على النفوذ والتموضع العسكري.
وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في منشور على منصة «إكس»، إن لدى تركيا آلاف الجنود وعشرات القواعد والمواقع العسكرية في سوريا والعراق وقبرص، معتبرة أن أنقرة لا تملك، وفق الرواية الإسرائيلية، حق انتقاد إسرائيل في ظل انتشار قواتها خارج حدودها.
وادعت الوزارة أن تركيا تسيطر على نحو 36 في المئة من قبرص و5 في المئة من سوريا، إضافة إلى نحو ألفي كيلومتر مربع من الأراضي العراقية، في حين قالت إن الوجود الإسرائيلي في سوريا يقتصر على منطقة عازلة صغيرة، وبررت ذلك بأنه إجراء مؤقت يهدف إلى حماية أمنها.
وتأتي هذه التصريحات في ظل توتر متزايد بين أنقرة وتل أبيب، خصوصاً بشأن مستقبل سوريا، التي باتت تمثل إحدى أبرز ساحات التنافس بين الطرفين بعد التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد.
سوريا.. نقطة الاحتكاك الأخطر
وتكتسب الساحة السورية أهمية استثنائية في الصراع التركي ـ الإسرائيلي، إذ تتقاطع فيها الحسابات الأمنية للجانبين مع مستقبل شكل الدولة السورية وترتيبات النفوذ الإقليمي فيها.
تركيا تنظر إلى شمال سوريا باعتباره مجالاً أمنياً حيوياً يرتبط مباشرة بأمن حدودها ومواجهة التنظيمات الكردية المسلحة، بينما تخشى إسرائيل من أن يؤدي تمدد النفوذ التركي إلى تغيير موازين القوى في سوريا، ولا سيما في المناطق القريبة من الجولان.
وبذلك، لم تعد سوريا مجرد ملف ثانوي في الخلاف بين أنقرة وتل أبيب، بل تحولت إلى مساحة اختبار مباشرة للنفوذ، يمكن أن تحدد طبيعة التوازنات الأمنية في المشرق خلال السنوات المقبلة.
شرق المتوسط.. تحالفات في مواجهة تحالفات
ولا يتوقف التنافس عند الحدود السورية، إذ يمتد إلى شرق البحر المتوسط، حيث تعمل إسرائيل على تعزيز شراكاتها العسكرية والأمنية مع اليونان وقبرص، وهما دولتان ترتبطان بخلافات استراتيجية عميقة مع تركيا.
وتنظر أنقرة بحساسية إلى تنامي التعاون الإسرائيلي ـ اليوناني ـ القبرصي، خصوصاً مع ارتباطه بملفات الطاقة والمياه والمجال البحري والأمن الإقليمي.
وفي المقابل، ترى إسرائيل أن توسيع التعاون مع أثينا ونيقوسيا يمنحها عمقاً استراتيجياً إضافياً في مواجهة تنامي الدور التركي، ويتيح لها بناء شبكة من الشراكات تمتد من شرق المتوسط إلى الساحة السورية.
من الحرب الكلامية إلى صراع النفوذ
الأهم في التصعيد الأخير أن الخطاب الإسرائيلي تجاه تركيا لم يعد يركز فقط على انتقاد مواقف أنقرة السياسية، بل بات يستهدف بصورة مباشرة انتشارها العسكري وحدود نفوذها الإقليمي.
وهذا التحول يحمل دلالة أكبر من مجرد تبادل الاتهامات؛ فهو يعكس انتقال العلاقة بين البلدين إلى مرحلة تنافس على من يملك القدرة على رسم التوازنات الأمنية والسياسية في سوريا وشرق المتوسط.
وفي حال استمرت تركيا في تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي في سوريا، بالتزامن مع توسع الشراكة الإسرائيلية مع اليونان وقبرص، فقد تتجه المنطقة إلى تشكيل محورين متنافسين، لا يخوضان مواجهة مباشرة بالضرورة، لكنهما يتصارعان على النفوذ عبر القواعد العسكرية والتحالفات والاقتصاد والطاقة.
وبذلك، يبدو أن الخلاف التركي ـ الإسرائيلي يتجاوز حدود التصريحات المتبادلة، ليتحول تدريجياً إلى صراع جيوسياسي على خريطة النفوذ الجديدة في الشرق الأوسط، وتبقى سوريا وشرق المتوسط ساحتهما الأكثر حساسية وخطورة.







