حرية
بعد سنوات من الاحتجاجات المتقطعة، ومع انتهاء جولة قاسية من التصعيد العسكري، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل الداخل الإيراني: هل تراجعت احتمالات التغيير، أم أن البلاد تقف على أعتاب مرحلة أكثر حساسية؟
يرى مراقبون أن الرهانات الغربية على إسقاط النظام عبر الضغط الشعبي أو الضربات العسكرية لم تحقق أهدافها حتى الآن. فالأجهزة الأمنية أثبتت قدرتها على الصمود، فيما لم تنجح موجات الاحتجاج في إحداث تغيير جذري، رغم استمرارها على مدى عقد تقريباً.
لكن التطورات الأخيرة، خصوصاً بعد الحرب، قد تفتح سيناريو مختلفاً. إذ يشير تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تفاعلاً غير مسبوق بين الضغط الشعبي والضعف النسبي للأجهزة الأمنية، ما قد يخلق بيئة أكثر قابلية للتغيير.
ويطرح الباحث أفشون أوستوفار رؤية مغايرة، إذ يعتبر أن التغيير الأكثر فاعلية قد لا يأتي من الشارع، بل من داخل النظام نفسه، عبر شخصيات تدرك آلياته وتسعى لإعادة توجيهه. غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع أن التيار “المعتدل” داخل السلطة لا يُنظر إليه بالضرورة كبديل ديمقراطي، بل كجزء من المنظومة القائمة.
في المقابل، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يميل إلى خيار براغماتي، يقوم على محاولة إبرام صفقة مع أطراف من داخل النظام، بدلاً من انتظار تغيير غير مضمون عبر الشارع. مثل هذه الصفقة—إن تحققت—قد تمنح واشنطن مكاسب سريعة، لكنها قد تفتح الباب أيضاً أمام اضطرابات داخلية لاحقة.
السيناريو الأكثر تعقيداً يتمثل في احتمال تلاقي عاملين: ضغوط اقتصادية متفاقمة، واحتقان شعبي مؤجل. فالإيرانيون قد يختارون التريث لمعرفة نتائج أي اتفاق محتمل، لكن في حال فشل المسار الدبلوماسي، قد تعود الاحتجاجات بوتيرة أسرع وأكثر حدة.
ورغم أن الأجهزة الأمنية لا تزال متماسكة، إلا أن التدهور الاقتصادي قد يؤثر تدريجياً على قدرتها على الضبط، خصوصاً مع تآكل القدرة المعيشية حتى داخل صفوفها. هذا العامل، وإن لم يكن حاسماً، قد يخفف من حدة المواجهة في حال اندلاعها.
في المحصلة، لا يبدو أن المخاطر التي تواجه النظام الإيراني قد انتهت، بل ربما دخلت مرحلة أكثر تعقيداً. فوقف الحرب قد يعني نهاية القصف الخارجي، لكنه قد يفعّل في المقابل “قنبلة داخلية” مؤجلة، تعتمد نتائجها على توازن دقيق بين الشارع، والنخبة الحاكمة، والتدخلات الخارجية.







