حرية
يستعد الأردن لتحويل منطقة المغطس، أو «بيت عنيا عبر الأردن»، والأراضي المحيطة بها إلى وجهة سياحية ودينية عالمية بحلول عام 2030، ضمن مشروع طموح يجمع بين الاستثمار السياحي والحفاظ على القيمة الدينية والتاريخية والبيئية للموقع.
ولا تنظر عمّان إلى المشروع باعتباره تطويراً لموقع أثري فحسب، بل تراهن عليه ليكون محركاً اقتصادياً جديداً يعزز السياحة الدينية، ويطيل مدة إقامة الزائر، ويوفر آلاف فرص العمل لسكان المنطقة والمحافظات المجاورة.
استثمارات بمليارات الدولارات وآلاف فرص العمل
تشير التقديرات الأولية للجدوى الاقتصادية إلى أن إجمالي الاستثمارات المستهدف ضمن المراحل المستقبلية للمشروع قد يتجاوز مليارات الدولارات، مع توقعات بتوفير ما بين 10 و15 ألف فرصة عمل.
ويعكس ذلك محاولة أردنية لربط الاستثمار السياحي بالتنمية المحلية، بحيث لا تقتصر العوائد على الفنادق والمرافق السياحية، وإنما تمتد إلى قطاعات النقل والمطاعم والحرف والخدمات والتجارة وسلاسل التوريد.
وتكمن أهمية المشروع اقتصادياً في قدرته المحتملة على تحويل السائح الديني من زائر قصير الإقامة إلى سائح يقضي عدة أيام داخل الأردن، بما يرفع الإنفاق السياحي ويزيد العائد من كل زائر.
من زيارة الموقع إلى «مسار الحاج الشامل»
وتعمل وزارة السياحة والآثار الأردنية على تطوير ما يعرف بـ**«مسار الحاج الشامل»**، يبدأ من الخدمات الرقمية والحجز المسبق قبل وصول السائح، وصولاً إلى ربط المغطس بمجموعة من أبرز المواقع الدينية والتاريخية في المملكة.
ويشمل المسار مواقع مثل مادبا، وجبل نيبو، ومكاور، ومار إلياس، والبترا، وعجلون، وأم الجمال، بما يخلق شبكة سياحية متكاملة بدلاً من التعامل مع المغطس كوجهة منفردة.
ويستهدف هذا الربط رفع متوسط إقامة السائح في الأردن من نحو يومين إلى أكثر من أسبوع، وهو تحول من شأنه مضاعفة الإنفاق السياحي بصورة كبيرة، فضلاً عن توزيع العوائد على مناطق ومجتمعات محلية متعددة.
اهتمام دولي ودعم كنسي
يحظى المشروع باهتمام دولي وكنسي، خصوصاً في ظل المكانة التي يحتلها المغطس في الذاكرة المسيحية العالمية.
كما يحظى الموقع بدعم من الكرسي الرسولي، وقد زاره أربعة باباوات هم بولس السادس، ويوحنا بولس الثاني، وبندكتس السادس عشر، وفرنسيس، في زيارات عززت مكانته باعتباره أحد أبرز مواقع الحج المسيحي في المنطقة.
وأُدرج الموقع على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 2015، الأمر الذي يمنحه بعداً دولياً يتجاوز السياحة الدينية إلى الحفاظ على التراث الثقافي والبيئي.
ويضم «بيت عنيا عبر الأردن» بقايا كنائس وأحواض معمودية وصوامع رهبانية، وهي شواهد أثرية مرتبطة بالموقع الذي يُعتقد، وفق التقليد المسيحي والاعتراف الكنسي، أنه شهد معمودية السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان.
أربعة مشاريع استراتيجية حول المغطس
وفي إطار تحويل المنطقة إلى مركز سياحي متكامل، وقعت الحكومة الأردنية اتفاقات لتنفيذ أربعة مشاريع استراتيجية على مساحة تبلغ نحو 1400 دونم، وبكلفة تصل إلى 120 مليون دولار.
ويأتي في مقدمة المشاريع متحف معمودية السيد المسيح، الذي سيقام على مساحة تبلغ نحو 5500 متر مربع، ليقدم للزوار تجربة ثقافية وتاريخية توثق الأبعاد الدينية والأثرية للموقع.
كما تتضمن الخطة إنشاء قرية للحجاج والزوار تضم مركزاً للزوار وكنائس وفنادق ومطاعم ومحال تجارية، مع اعتماد تصاميم تراعي طبيعة المنطقة وقدسيتها وخصوصيتها البيئية.
وخصصت الحكومة نحو 27 مليون دولار لتطوير البنية التحتية، بما يشمل الطرق وشبكات المياه والتحلية والري والطاقة الشمسية والإنارة والخدمات اللوجستية.
كما يتضمن المشروع إنشاء ممر أخضر لزيادة الغطاء النباتي وحماية التنوع الحيوي وتوفير مسارات للمشي، مع مراعاة المعايير الخاصة بمواقع التراث العالمي.
مليون زائر في 2030
وتكشف الأرقام المستهدفة عن حجم الرهان الأردني؛ إذ تسعى الخطط إلى رفع عدد زوار المغطس والمواقع المحيطة به إلى أكثر من مليون زائر سنوياً بحلول 2030، مقارنة بنحو 250 ألف زائر حالياً.
ولا تكمن المسألة في زيادة أعداد الزوار فقط، وإنما في رفع مدة إقامتهم. فبينما لا تتجاوز إقامة الزائر حالياً نحو يوم ونصف، تستهدف الخطة الوصول بها إلى سبعة أيام.
وهذا التغيير يعني اقتصادياً زيادة الإنفاق على الإقامة والنقل والطعام والتسوق والزيارات السياحية، وتحويل الحج الديني إلى منظومة اقتصادية متكاملة.
السياحة المستدامة في قلب المشروع
وتحاول السلطات الأردنية تجنب تحويل المشروع إلى تجمع سياحي تقليدي يهدد طبيعة المنطقة، ولذلك تركز المخططات على العمارة البيئية المستدامة.
وتشمل الرؤية استخدام مواد بناء محلية مثل الحجارة والأخشاب، واعتماد تصاميم مستوحاة من البيئة والتراث المحلي، إلى جانب الاعتماد على الطاقة الشمسية وإنشاء أنظمة لتحلية المياه وإعادة تدويرها.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة بسبب الطبيعة الحساسة لوادي الأردن، وضرورة تحقيق التوازن بين استقبال أعداد كبيرة من الزوار والمحافظة على البيئة والتنوع الحيوي.
المغطس.. مشروع اقتصادي ودبلوماسية دينية
لا تنحصر أهمية المشروع في الجانب الاقتصادي، إذ يسعى الأردن من خلال المغطس إلى تعزيز موقعه في السياحة الدينية والدبلوماسية الدينية.
فالموقع يمثل نقطة تلاقٍ بين التاريخ والدين والسياسة والسياحة، ويمكن أن يتحول إلى منصة تستقطب ملايين المسيحيين من مختلف أنحاء العالم، خصوصاً إذا نجحت المملكة في إدماجه ضمن برامج الحج المسيحي العالمية.
كما يمنح المشروع الأردن فرصة لتعزيز صورته باعتباره دولة تحتضن مواقع دينية تاريخية وتحافظ عليها، وتقدم نموذجاً للتعايش والحوار بين الأديان.
هل يتحول المغطس إلى «مكة سياحية» للمسيحيين؟
الرهان الأردني كبير، لكن النجاح لن يقاس بعدد المباني التي ستقام حول الموقع، وإنما بقدرة المملكة على صناعة تجربة دينية وسياحية متكاملة تجعل زيارة المغطس هدفاً قائماً بذاته، وليس مجرد محطة قصيرة ضمن رحلة سياحية.
والوصول إلى مليون زائر سنوياً يتطلب حملة تسويق عالمية، وشبكة طيران ونقل فعالة، وخدمات فندقية قادرة على استيعاب الطلب، إضافة إلى تنسيق واسع مع الكنائس والمؤسسات الدينية وشركات السياحة المتخصصة بالحج المسيحي.
أما التحدي الأكبر فيتمثل في الحفاظ على روح المكان. فكلما زادت الاستثمارات، ارتفع خطر أن تطغى الوظيفة التجارية على القيمة الروحية والبيئية للموقع. ولذلك فإن نجاح المشروع يتطلب أن تكون الاستدامة جزءاً من الاستثمار نفسه، لا مجرد شرط بيئي ملحق به.
وإذا نجح الأردن في تحقيق المعادلة بين قدسية الموقع، وحماية البيئة، وتطوير البنية التحتية، واستقطاب الاستثمار، وإطالة إقامة الزائر، فقد يتحول المغطس بحلول 2030 من موقع ديني تاريخي إلى أحد أهم محركات السياحة والاقتصاد المحلي في الأردن، ومن أبر مراكز الحج المسيحي على مستوى العالم.







