حرية
أصدرت المحكمة الاتحادية العليا، يوم الخميس، قراراً تفسيرياً أكدت فيه صلاحية مجلس الوزراء في إعفاء المديرين العامين الذين تثبت عدم كفاءتهم أو عدم صلاحيتهم للاستمرار في مناصبهم، إلى جانب حقه في التوصية إلى مجلس النواب بإعفاء أصحاب الدرجات الخاصة، وذلك بناءً على طلب رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي.
وصدر القرار المرقم (227/اتحادية/2026) بتاريخ 24 آب 2026، ونُشر اليوم الخميس، بعد أن طلب رئيس مجلس الوزراء تفسير أحكام البندين أولاً وخامساً من المادة (80) من الدستور، والمتعلقين بصلاحيات مجلس الوزراء في إدارة شؤون الجهاز التنفيذي وإعفاء المسؤولين المشمولين بهذه الأحكام.
وأكدت المحكمة أن مجلس الوزراء يمتلك، ضمن حدود اختصاصه الدستوري، صلاحية إعفاء المديرين العامين الذين تثبت عدم كفاءتهم أو عدم صلاحيتهم للاستمرار في مواقعهم، موضحة أن القرار التشريعي رقم (880) لسنة 1988 لا يمنع مجلس الوزراء من ممارسة هذه الصلاحية في الحالات التي لم ينظمها ذلك القرار.
كما أكدت المحكمة حق مجلس الوزراء في التوصية إلى مجلس النواب بإعفاء أصحاب الدرجات الخاصة وسائر المشمولين بالبند خامساً من المادة (80) من الدستور، على أن يبقى القرار النهائي ضمن اختصاص مجلس النواب وبما يتوافق مع أحكام الدستور والقانون.
الصلاحية ليست مطلقة
وفي الوقت نفسه، وضعت المحكمة الاتحادية حدوداً واضحة أمام استخدام صلاحية الإعفاء، مؤكدة أن هذه الصلاحية لا تعني امتلاك السلطة التنفيذية حق الإعفاء بصورة مطلقة أو من دون أسباب قانونية.
وشدد القرار على ضرورة خضوع قرارات الإعفاء لمبدأ المشروعية والضمانات القانونية المقررة للموظف العام، وأن يكون استخدامها مرتبطاً بالمصلحة العامة وحسن سير المرافق الحكومية.
كما حذرت المحكمة من استخدام الإعفاء وسيلة للالتفاف على الضمانات والإجراءات التي يحددها القانون، مؤكدة ضرورة تجنب حالات الازدواج الوظيفي أو ترتيب أعباء مالية على الخزينة العامة من دون أساس قانوني.
وبحسب الوثائق المنشورة، صدر القرار بالاتفاق، وأصبح باتاً وملزماً لجميع السلطات.
ماذا يعني القرار لحكومة الزيدي؟
يمثل القرار نقطة مهمة في تنظيم العلاقة بين السلطة التنفيذية والجهاز الإداري للدولة، لأنه يضع أساساً دستورياً واضحاً أمام مجلس الوزراء لمراجعة أداء المديرين العامين واتخاذ إجراءات الإعفاء عندما تثبت عدم الكفاءة أو عدم الصلاحية.
وفي المقابل، فإن القرار لا يمنح الحكومة شيكاً مفتوحاً لإعادة تشكيل الجهاز الإداري، بل يربط الإعفاء بوجود أسباب موضوعية وبالمصلحة العامة واحترام حقوق الموظفين والإجراءات القانونية.
أما أصحاب الدرجات الخاصة، فإن المسار يختلف؛ إذ يستطيع مجلس الوزراء رفع التوصية، لكن مجلس النواب يبقى صاحب الاختصاص في الموافقة على الإعفاء وفقاً للدستور والقانون.
القرار قد يفتح باباً لإعادة ترتيب الجهاز الإداري
توقيت القرار يحمل أهمية سياسية وإدارية، خصوصاً مع توجه الحكومة إلى رفع مستوى الأداء داخل مؤسسات الدولة ومراجعة المواقع التنفيذية. فإقرار المحكمة الاتحادية بصلاحية مجلس الوزراء في إعفاء المديرين العامين عند ثبوت عدم الكفاءة يمكن أن يمنح الحكومة أداة قانونية أقوى لمحاسبة المسؤولين الإداريين الذين يثبت ضعف أدائهم.
لكن في المقابل، فإن اشتراط المشروعية والمصلحة العامة يمنع تحويل هذه الصلاحية إلى وسيلة للإقصاء السياسي أو تغيير المسؤولين بناءً على اعتبارات شخصية أو حزبية.
والأهم أن القرار يرسخ مبدأ المسؤولية مقابل الصلاحية؛ فمن يتولى منصباً تنفيذياً يجب أن يخضع لتقييم الأداء، ومن تثبت عدم صلاحيته لا يمكن أن يتحول المنصب إلى حماية دائمة له، لكن عملية الإعفاء يجب أن تبقى محكومة بالدستور والقانون.
كما أن تأكيد المحكمة على عدم تحميل الخزينة أعباء مالية بلا سند قانوني يفتح ملفاً مهماً يتعلق بتعدد المناصب والتعيينات البديلة، ويضع الحكومة أمام مسؤولية إدارة عملية التغيير بطريقة تمنع بقاء مسؤولين من دون مهام فعلية مع استمرار صرف مستحقاتهم.
وبذلك، فإن القرار لا يمنح الحكومة سلطة مطلقة على الجهاز الإداري، لكنه يمنحها مساحة دستورية واضحة للمحاسبة والإعفاء، مقابل التزام صارم بالقانون وعدم تحويل الإصلاح الإداري إلى أداة للتصفية أو المحاصصة.







