احمد الحمداني
لم يعد من الممكن قراءة المشهد السياسي في العراق بذات الأدوات القديمة التي تأسست بعد عام 2003 فالحاكمية الشيعية التي جاءت محمولة على إرث طويل من المظلومية والتضحيات تجد نفسها اليوم أمام اختبار مختلف تماماً اختبار لا يقاس بحجم المعاناة التي سبقت بل بقدرتها على إدارة دولة معقدة متعددة الهويات والتحديات لقد انتهى زمن الشرعية التاريخية وبدأ زمن الشرعية العملية حيث لا يسأل المواطن من حكم بل كيف حُكم ولا من ضحى بل ماذا تحقق ان المشكلة الحقيقية لم تكن في وصول القوى الشيعية إلى السلطة بل في كيفية إدارتها لهذا الوصول فبدلاً من التحول إلى مشروع دولة جامع بقيت في كثير من مفاصلها أسيرة منطق مختصرضيق لا منطق الوطن ولا حتى منطق المكون وتحوّل الانتماء من عنصر هوية إلى أداة حكم وهو ما ضيّق أفق القرار السياسي وجعله يدور في دائرة مغلقة لا تتسع لفكرة الدولة بمعناها الحديث فالدولة لا تُدار بعقيدة اجتماعية أو اجزاء من المذهبية بل تُدار بمنظومة مصالح وطنية وقانون ومؤسسات، إن أخطر ما واجه هذه الحاكمية هو غياب الرؤية الاستراتيجية فبدلاً من بناء مشروع طويل الأمد لإدارة الدولة جرى الاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية وكلما ظهرت أزمة جرى احتواؤها مؤقتاً دون معالجة جذورها ما أدى إلى تراكم الأزمات وتداخلها حتى أصبح المشهد السياسي عبارة عن شبكة معقدة من الملفات المؤجلة التي تثقل كاهل الدولة وتربك قدرتها على التقدم كما أن تعدد مراكز القرار داخل الدولة شكّل تحدياً بنيوياً عميقاً فلا يمكن لأي نظام سياسي أن يستقر في ظل ازدواجية السلطة أو تعدد الجهات التي تمتلك القدرة على التأثير في القرار الأمني والسياسي إن الدولة بطبيعتها كيان يحتكر القرار والسيادة وأي اختلال في هذا الاحتكار ينعكس مباشرة على هيبتها وعلى قدرتها في فرض القانون وهو ما جعل صورة الحاكمية تبدو أحياناً غير متماسكة رغم امتلاكها أدوات السلطة.
على المستوى الإقليمي لم تنجح الحاكمية الشيعية في تحقيق التوازن المطلوب بين محيطها الجغرافي ومصالحها الوطنية فالعراق بحكم موقعه لا يستطيع أن يكون جزءاً من محور دون آخر بل يجب أن يكون نقطة توازن لكن غياب هذه الرؤية جعله في كثير من الأحيان أقرب إلى ساحة لتبادل الرسائل بين القوى الإقليمية والدولية وهو ما أضعف موقعه وأفقده جزءاً من استقلال قراره اما اقتصادياً بقيت الدولة تدور في فلك الريع النفطي دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية وهو ما جعل العلاقة بين المواطن والدولة علاقة انتظار لا علاقة مشاركة فالدولة توزع والمواطن ينتظر ومع كل أزمة مالية تتكشف هشاشة هذا النموذج وتتعاظم الضغوط على الحاكمية التي تجد نفسها مطالبة بتقديم حلول سريعة في بيئة لا تساعد على الإصلاح العميق و على المستوى الاجتماعي فقد تغيّرت معادلة الوعي الشعبي بشكل واضح فالأجيال الجديدة لم تعد تتفاعل مع الخطاب التقليدي القائم على الهوية بقدر ما تبحث عن نتائج ملموسة خدمات فرص عمل استقرار وعدالة وبناء اقتصادي وسعادة مجتمعية وترف وتعليم وهذا التحول يفرض على الحاكمية إعادة تعريف علاقتها مع جمهورها على أساس الأداء لا الانتماء وعلى أساس الإنجاز لا التاريخ وفي ظل كل هذه المعطيات يصبح الحديث عن وجود استهداف خارجي أو ضغوط إقليمية أمراً ثانوياً إذا لم يتم الاعتراف أولاً بوجود خلل داخلي في بنية الحكم فالدول لا تُضعف من الخارج إلا عندما تكون هشة من الداخل وحاكميتنا التي لا تراجع نفسها تتحول تدريجياً إلى جزء من الأزمة بدلاً من أن تكون أداة للحل.
إن الرؤية الجديدة المطلوبة للحاكمية الشيعية لا يجب أن تكون مجرد تعديل في الخطاب بل تحولاً حقيقياً في فلسفة الحكم يبدأ بالانتقال إلى منطق الدولة ومن تعدد مراكز القرار إلى وحدة السيادة ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار ومن الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج ومن التبعية الإقليمية إلى التوازن الوطني ان العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التبرير بل إلى قرار شجاع يعيد تعريف الدولة ودورها فالحاكمية ليست امتيازاً دائماً بل مسؤولية متجددة ومن لا ينجح في تحويل السلطة إلى مشروع دولة سيتحول مع الوقت إلى عبء عليها و هنا اقولها والله من وراء القصد أن الحاكمية الشيعية أمام لحظة حاسمة إما أن تعيد بناء نفسها على أساس الدولة أو تبقى أسيرة ظرف تاريخي يتآكل مع الزمن فالدولة لا تُبنى بالذاكرة بل تُبنى بالإرادة ولا تُدار بالشعارات بل تُدار بالمؤسسات ومن لا يدرك ذلك مبكراً سيدفع ثمن التأخر سياسياً ووطنياً.







