حرية
بدأ رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي تحركاً أمنياً وسياسياً مكثفاً لاحتواء تداعيات أخطر تصعيد تشهده الساحة العراقية منذ أشهر، في محاولة لمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مباشرة مع السعودية، بعد تهديدات أطلقتها “المقاومة الإسلامية” بالرد على الضربات الأميركية – السعودية التي استهدفت مواقع للحشد الشعبي.
وكشف مسؤول حكومي عراقي رفيع أن الزيدي عقد اجتماعاً مع رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض ورئيس أركان الهيئة المعروف بـ”أبو فدك”، بحضور عدد من القيادات الأمنية، لمناقشة تداعيات بيان “المقاومة الإسلامية”، طالب خلاله بممارسة ضغوط على الفصائل لمنع أي تصعيد أو تنفيذ هجمات ضد السعودية خلال الأيام المقبلة.
وبحسب المسؤول، فإن أي رد عسكري من الفصائل سيؤدي عملياً إلى نسف خطة الحكومة الخاصة بحصر السلاح بيد الدولة، والتي حددت بغداد نهاية أيلول المقبل موعداً لإنجازها، فضلاً عن إدخال العراق في مرحلة أمنية وسياسية أكثر تعقيداً.
وأضاف أن المناقشات لا تزال مستمرة داخل أوساط الفصائل، حيث تؤيد بعض القيادات منح الحكومة فرصة لمعالجة الأزمة، فيما تتمسك أطراف أخرى بخيار الرد العسكري، باعتباره رداً على الضربات التي طالت مقرات الحشد الشعبي.
وجاء التحرك الحكومي بعد ساعات من تأكيد رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض استعداد الهيئة لتنفيذ توجيهات القائد العام للقوات المسلحة، وتعزيز الجاهزية لحماية أمن العراق وسيادته، في مؤشر على محاولة إبقاء القرار الأمني ضمن مؤسسات الدولة.
في المقابل، كانت “المقاومة الإسلامية” قد نفت مسؤوليتها عن الهجمات التي استهدفت منشآت سعودية خلال الأيام الماضية، معتبرة أن الضربات الأميركية – السعودية التي أعقبتها استهدفت منتسبي الحشد الشعبي وموكباً لخدمة زوار أربعينية الإمام الحسين.
ومنحت الفصائل الحكومة العراقية مهلة حتى الثالث والعشرين من شهر صفر لاتخاذ موقف من تلك الضربات، مؤكدة أن ردها على الولايات المتحدة “آتٍ لا محالة”، وقد يشمل ما وصفته بـ”أدواتها في السعودية” إذا اقتضت الظروف، مع تأجيل أي تحرك إلى ما بعد انتهاء مراسم زيارة الأربعين، حرصاً على أمن الزائرين.
تمثل التحركات التي يقودها الزيدي اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على احتكار القرار الأمني، خصوصاً أن الأزمة الحالية تتجاوز حدود الرد العسكري، وتمس مستقبل مشروع حصر السلاح، الذي يعد أحد أبرز تعهدات الحكومة.
وتدرك بغداد أن أي هجوم جديد ينطلق من الأراضي العراقية باتجاه السعودية ستكون له تداعيات واسعة، أبرزها:
- احتمال تنفيذ ضربات أميركية أو سعودية جديدة داخل العراق.
- تعثر مشروع حصر السلاح بيد الدولة وفقدان الحكومة جزءاً من مصداقيتها.
- توسيع رقعة الصراع الإقليمي ليصبح العراق إحدى ساحاته المباشرة.
- تعقيد مسار العلاقات العراقية مع الرياض وواشنطن في مرحلة تسعى فيها بغداد إلى سياسة التوازن.
وفي المقابل، فإن نجاح الحكومة في احتواء الفصائل ومنع التصعيد سيمنحها فرصة لتعزيز مشروعها الأمني، ويؤكد قدرتها على فرض القرار السيادي، خاصة مع اقتراب موعد استكمال ترتيبات إعادة تنظيم الملف الأمني وإنهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي.
وبذلك تبدو الأيام القليلة المقبلة حاسمة، إذ ستحدد ما إذا كانت بغداد ستنجح في احتواء الأزمة عبر المسار السياسي والأمني، أم أن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من التصعيد قد تجعل العراق مرة أخرى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.







