مصطفى الفقي
شاءت الأقدار أن أقترب كثيراً من الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا عندما جرى تعييني عام 1995 سفيراً لدى النمسا ومندوباً لمصر مقيماً لدى الوكالة، فأمضيت أربع سنوات عضواً في مجلس محافظيها، وكانت فيه مصر قبل ذلك العام عضواً دائماً يحتل مقعد جنوب أفريقيا، حتى جرى سحب المقعد منها بسبب سياسة الأبارتايد والممارسات العنصرية للبيض ضد السود في ذلك البلد الأفريقي الكبير، لذلك قيل لي يوم وصولي إنك ستكون مرشحاً غداً لمقعد في الوكالة بالانتخاب بعدما ظل مع مصر سنوات عدة في غياب تمثيل حكومة جنوب أفريقيا في المجلس.
شعرت بالمسؤولية الكبيرة حيال هذه المهمة الفنية الدقيقة من جانبين، أولهما الوعي بالقانون ودور السلاح النووي في السياسات العالمية، والثاني هو الشعور بصعوبة التعامل مع ملف كهذا، بكل ما يحمله من أخطار وما يحتويه من ملاحظات.
خضت الانتخابات في اليوم التالي وفازت مصر بالمقعد لعامين متتاليين، وكانت هناك مطالبات دولية من جانب الدول الأفريقية للحصول على مقعد دائم أو قل مقعدين في مجلس محافظي الوكالة، إذا أردنا العدالة للدول الأفريقية التي كان يربو عددها على 50 دولة. عندئذ يتحدد مصير مصر في تعاملها مع الدول المختلفة خلال وقت كان فيه الدبلوماسي السويدي المخضرم هانز بلكس وزير خارجية السويد السابق هو مدير عام الوكالة، وكان نائبه للشؤون القانونية والعلاقات الدولية هو محمد البرادعي الدبلوماسي المصري الذي أمضى معظم سنوات حياته في الوكالة.
فوجئت بوجود ما يزيد على 10 مفتشين نوويين من أبناء مصر الذين انخرطوا في أعمال الوكالة قبل ذلك بسنوات عدة بعد تخرجهم في قسم الفيزياء النووية بهندسة الإسكندرية، ولاحظت أن المجموعة المصرية تمثل كتيبة ضاربة لدى مجلس الوكالة عند القيام بمهام التفتيش النووي، سواء في كوريا الشمالية أو في إيران أو غيرهما، وهم علماء نوويون أمضى بعضهم عشرات السنين في مهمتهم بالغة الحساسية شديدة الأهمية وهم يعملون في مجالات منع الانتشار والأمان النووي أو الدعم الفني للإفادة من الطاقة النووية في الأغراض السلمية.
اكتشفت منذ ذلك الحين أن الساحة النووية واسعة وتضم أطيافاً من القدرات والإمكانات، وأن الوكالة تمثل بحق النادي النووي المغلق الذي تستمتع فيه الدول دائمة العضوية بكثير من المزايا ذات الدرجة العالية من الحساسية والاهتمام، وكم تحاورت مع نفسي طوال تلك السنوات التي قضيتها في فيينا ممارساً لهذا العمل الذي يجمع بين الدبلوماسية الثنائية وعملي أيضاً في الوكالة تحت مظلة الدبلوماسية متعددة الأطراف.
اكتسبت من تلك المرحلة خبرات واسعة في ذلك الميدان الذي كان يبدو بعيداً من اهتمامي قبل الدخول فيه، كما اكتشفت أن المسافة واسعة بين الدول النووية قليلة العدد والدول غير النووية، وكنت أتأمل دائماً أخطار ذلك السلاح الجديد الذي وفد على الإنسانية قبيل نهاية النصف الأول من القرن الـ20، وجرى استخدامه من جانب الولايات المتحدة الأميركية على هيروشيما وناغازاكي على نحو غير وجه البشرية ووضع الإنسانية في مواجهة خطر داهم، على رغم المزايا الكبرى للاستخدام النووي في توليد الطاقة بل وفي الأغراض السلمية عمومياً.
كنت ألعن في سريرتي من فتح باب الاستخدام العسكري أمام الطاقة النووية، وأبارك أيضاً من قام بتفعيل استخدامها في الأغراض السلمية وأهداف التعاون الفني سواء في تحلية مياه البحر أو محاربة الآفات التي تتعرض لها المحاصيل الغذائية أو حتى مقاومة ذبابة الفاكهة، فالأغراض السلمية للطاقة النووية هي بغير حدود على رغم أخطار الانتشار النووي ونتائجه التي تلحق بالبشرية نتيجة استخدام السلاح النووي أو حتى التهديد به.
برزت نظريات الردع النووي وأصبحنا أمام دول متميزة في مواجهة دول أخرى عارية نووياً، وما زلنا نتذكر التنافس الهندي – الباكستاني في هذا الميدان عندما وقف العالم على أطراف أصابعه خلال الأسابيع القليلة التي فصلت بين وصول كل من الدولتين إلى إنتاج القنبلة، حتى أصبح المسلمون في العالم يطلقون على القنبلة الباكستانية الجديدة لفظ القنبلة الإسلامية، وهو ما حاولت إيران تقليده لكنها مضت في طريق مستفز للآخرين وهددت الجيران وأخافت كل من يعرفها صديقاً أو عدواً، لأن القنبلة النووية حين تصبح أيديولوجية الطابع وتعبر عن مبدأ محدد بغض النظر عن الأهداف النبيلة للأغراض السلمية، فإننا نكون أمام خطر مؤكد.
اقترن وصولي إلى العاصمة النمسوية باستفتاء شعبي جرى على مستوى الدولة هناك جاءت غالبيته ضد استمرار استخدام الطاقة النووية ومواصلة الاعتماد عليها في الأغراض المختلفة، على رغم أن دولة أوروبية مجاورة مثل فرنسا تعتمد في 80 في المئة من طاقتها عموماً على النشاط النووي السلمي، الذي يبدو أرخص مصادر الطاقة وإن كان أكثرها خطراً وأشدها صعوبة، خصوصاً من الناحيتين السياسية والبشرية.
أتذكر ذلك كله الآن وأنا أرقب المعايير التي تتأرجح بين الصعود والهبوط داخل النادي النووي الذي اقتحمته دول قد تبدو خارج السيطرة مثل كوريا الشمالية، أو لوحت به دول أخرى ولو من بعيد مثلما فعل الكرملين الروسي في بعض لحظات المواجهة الدامية بين روسيا وأوكرانيا، فالقيمة الحقيقية للسلاح النووي ليست في استخدامه لكن في التلويح به، فهو سلاح للردع أكثر منه سلاحاً للقتال. لذلك، ظلت الحروب وسوف تبقى بعيدة من استخدامه بعد التجربة الأليمة للقنبلتين الأميركيتين على أرض اليابان، واللتين جرى بهما حسم نتائج الحرب العالمية الثانية لمصلحة الحلفاء الذين فرضوا على ألمانيا واليابان وغيرهما من الدول المساندة للمحور في الحرب العالمية الثانية عقوبات ما زالت آثارها باقية حتى الآن، ويهمني هنا أن أشير إلى ملاحظتين لهما أهمية خاصة في هذا المجال وهما:
أولاً، إن دخول النادي النووي للدول الجديدة يمكن أن يأتي من طريق الانتساب وليس بالضرورة أن يكون ذلك بالانتظام المباشر، فالاتفاق السعودي – الباكستاني يمكن أن يكون مظلة وطنية للدولة السعودية وشقيقاتها في دول الخليج لإطلاق نوع من الردع تجاه خصوم السلام ودعاة الحرب في تلك المنطقة الحساسة من غرب آسيا وإقليم الشرق الأوسط، كما أنه يجب أن ندرك أيضاً أن المضي في البرامج السلمية للطاقة النووية يعد شوطاً مؤثراً في إنتاج السلاح النووي أو الاقتراب منه.
ثانياً، لقد حاولت دول كثيرة المضي في ذلك الطريق وأتذكر أن مصر على سبيل المثال في عهد الرئيس عبدالناصر قد بدأت نشاطاً من ذلك النوع، لكن جرى إجهاضه بفعل الهزيمة العسكرية في منتصف ستينيات القرن الماضي. وأتذكر أن عراب ذلك البرنامج كان ضابطاً قريباً من عبدالناصر وهو صلاح هدايت. وفشلت أيضاً تجارب القاهر والظافر لإدخال مصر في عصر الفضاء، إذ إن ذلك المسعى حين يكون ضد الإرادة المتغطرسة والمتفردة للقوى الكبرى من أعضاء النادي النووي، فإنه يكون محكوماً عليه بالفشل. والملاحظ هنا أن سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين تبدو واضحة في تعامل النادي النووي مع دولة إسرائيل التي تملك ترسانة من ذلك السلاح الفتاك الذي يؤرق البشرية صباح مساء، ويخيف الأصدقاء والأعداء معاً، لأنه ليس سلاحاً محدود الاستخدام أو تحت السيطرة الكاملة، بل سلاح منفلت يكفي أن يكون للردع بدلاً من أن يصل إلى مرحلة الاستخدام.
هذه قراءة موجزة حول تجربة إنسانية عشتها قبيل منتصف العمر وأدركت منها ومعها أن التقدم العلمي والتفوق التكنولوجي هما سلاح ذو حدين، لأنه يسلب الأمان والطمأنينة من بعضهم بقدر ما يعطيهما لبعضهم الآخر، في ظل صراع محموم من أجل السيطرة والاستحواذ على عالم اليوم… إن السلاح النووي شبح مخيف يؤرق البشرية في جميع الظروف ومختلف الأحوال!







