د. هبة السامرائي
في كل مرة يسأل فيها أحدهم
(كيف أجد شغفي؟)
أشعر أن العالم الحديث قد أقنع الناس بأن الحياة كلها متوقفة على تلك الشرارة السحرية التي إن حضرت، تحركنا بلا تعب، وإن غابت، أصبح العجز مبرراً والتسويف قدراً محتوماً.
لكن الحقيقة أكثر هدوءاً من ذلك، وأكثر نضجاً أيضاً..
لقد أسيء استخدام كلمة الشغف في عصرنا الحالي، حتى أصبح الشغف هو الشماعة التي نعلّق عليها قلّة المجهود، ونعلّق عليها خيباتنا، ونتحجج من خلالها بالتسويف.
فنقول (لم أعد شغوفاً) وكأن الحياة مطالبة كل يوم بأن تشعل الحماس في أرواحنا كي نتحرك.
وننسى أن أعظم الإنجازات في هذا العالم لم تُبنَ على موجة حماس عابرة، بل على قدرة الإنسان أن يستمر حتى حين لا يشعر بشيء.
ترى شاباً يبدّل أحلامه كل بضعة أشهر لأنه لم يشعر بالشغف الكامل تجاه وظيفة ما، أو تخصص ما، أو مشروع ما.
ويظن أن الطريق الصحيح هو الطريق الذي لا تعب فيه، ولا ملل، ولا رتابة.
بينما الحقيقة أن كل الطرق تصبح ثقيلة أحياناً، حتى تلك التي نحبها.
وكثير من الطلبة اليوم يربطون الدراسة بالشعور المؤقت بالحماس، فإن أحبّوا المادة اجتهدوا، وإن صعُبت عليهم تركوها بحجة أن شغفهم في مكان آخر.
مع أن الدراسة ليست دائماً مساحة للمتعة، بل مساحة لبناء العقل وتعويد النفس على الصبر والانضباط.
فالطالب الناجح ليس من يدرس فقط حين يشعر بالرغبة، بل من يفهم أن مستقبله أمانة، وأن بعض الأبواب لا تُفتح إلا بالالتزام الطويل.
حتى في سوق العمل، نسمع كثيراً من يقول
(لا أريد وظيفة لا أشعر بالشغف تجاهها.)
وكأن الحياة ستمنح الجميع عملاً مفصّلاً تماماً على مقاس أرواحهم منذ البداية.
بينما معظم الناس اكتشفوا أنفسهم أثناء الطريق، لا قبله.
تعلّموا، تعبوا، أخطأوا، وتحملوا مسؤوليات لم يكونوا شغوفين بها في أول الأمر، ثم مع الوقت أحبوا ما أتقنوه.
الحقيقة التي لا يحب كثيرون سماعها هي أن ما يحرّك الإنسان حقيقة تجاه أهدافه ليس الشغف، بل المسؤولية.
المسؤولية هي أن تستيقظ وتؤدي ما عليك حتى حين تكون مرهقاً.. أن تكمل الطريق رغم الملل.
أن تحترم أحلامك بما يكفي لتمنحها وقتاً وجهداً وانضباطاً لا مجرد مشاعر جميلة.
فالشغف بطبيعته متقلّب، يأتي بحماس ويغادر بصمت.
أما المسؤولية فتبقى.
تشبه ذلك الضوء الصغير الذي لا يبهر العين، لكنه لا ينطفئ.
ولهذا قيل بأن (الشغف هو محرّك الهواة، و المسؤولية هي محرّك المحترفين أما الفضول فهو محرّك العباقرة)
الهواة يعملون حين يشعرون بالرغبة.
أما المحترفون فيعملون لأن لديهم عهداً مع أنفسهم، لأن هناك هدفاً يجب أن يُنجز، وحياةً يريدون بناءها قطعةً قطعة، يوماً بعد يوم.
الطبيب لا يذهب إلى مرضاه كل يوم بدافع الشغف وحده، والمعلم لا يقف في صفه لأن الحماس يملأه دائماً، والأب لا يعمل سنوات طويلة لأن كل صباح يبدو مثالياً.
هناك شيء أعمق من المشاعر يقود الناس الحقيقيين إلا وهو الشعور بالواجب.
تأمل الأشخاص الذين نجحوا فعلاً في حياتهم، لن تجدهم الأكثر حماساً دائماً، بل الأكثر التزاماً.
هم أيضاً تعبوا، ومرّوا بأيام ثقيلة، وشعروا بالرغبة في التوقف، لكنهم فهموا سراً مهماً …
الإنسان لا يتغير بالمشاعر العابرة، بل بالعادات الثابتة.
ليس مطلوباً منك أن تكون مشتعلاً بالشغف طوال الوقت.
هذا أمر غير واقعي.
يكفي أن تكون صادقاً مع مسؤولياتك.
أن تجلس إلى مكتبك حتى حين لا ترغب.
أن تدرس رغم الملل.
أن تتمرن رغم الكسل.
أن تكتب، وتتعلم، وتحاول، وتعيد المحاولة، لأنك اخترت ألا تكون عبداً لمزاجك.
وما لا يدركه كثير من الشباب أن النجاح في البدايات تحديداً يحتاج قدراً كبيراً من التحمّل.
فالبدايات غالباً لا تكون ممتعة، ولا مربحة، ولا واضحة.
لكن الذين يصبرون عليها هم وحدهم من يصلون إلى المرحلة التي يصبح فيها العمل أكثر قرباً من أرواحهم.
كم من الأحلام ماتت لأن أصحابها انتظروا الشعور المناسب.
وكم من أناس عاديين صنعوا لأنفسهم مكاناً عظيماً فقط لأنهم كانوا منضبطين.
إن أجمل ما في المسؤولية أنها تبنيك من الداخل.
تجعلك أكثر ثباتاً، وأكثر احتراماً لذاتك.
فكل مرة تنجز فيها أمراً رغم عدم رغبتك، أنت لا تنجز المهمة فقط، بل تبني شخصية تستطيع الاعتماد عليها.
ولعل النضج الحقيقي يبدأ حين ندرك أن الحياة ليست رحلة بحث دائمة عن الشغف، بل رحلة تعلّم كيف نلتزم بما اخترناه، حتى في الأيام التي لا نشعر فيها بشيء.
فلا تنتظر أن يأتيك الحماس كل صباح.
ولا تجعل الشغف شرطاً للحركة.
ابدأ بما عليك، ولو بخطوات صغيرة، وستتفاجأ أن الإنجاز نفسه يخلق الشغف أحياناً، لا العكس.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج الإنسان إلى قلب مشتعل دائماً بقدر ما يحتاج إلى روح تعرف معنى الالتزام، وعقل يدرك أن الأحلام لا تتحقق بالمشاعر وحدها، بل بالصبر والانضباط والمسؤولية…





