حرية
الدكتورمحمد عبد الستار البغدادي
يمتلك العراق من الثروات والموقع الجغرافي والطاقات البشرية ما يؤهله ليكون قوة اقتصادية مؤثرة في المنطقة لكن هذه الإمكانات بقيت لعقود طويلة رهينة الاقتصاد الريعي والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية حتى أصبح استقرار الدولة المالي مرتبطا بأسعار النفط وتقلبات الأسواق العالمية.
إن بناء اقتصاد عراقي قوي لا يتحقق بالقرارات الحكومية وحدها بل يحتاج إلى شراكة حقيقية مع رجال الأعمال والقطاع الخاص بوصفهم شركاء في التنمية وصناعة الفرص وتحريك الأسواق وابتكار المشروعات القادرة على توفير الوظائف وتنويع مصادر الدخل.
رجل الأعمال الحقيقي ليس مجرد صاحب رأس مال يبحث عن الربح بل هو قائد اقتصادي يتحمل المخاطر ويحول الأفكار إلى مشروعات ويستثمر في الإنسان ويخلق فرص العمل ويسهم في بناء مؤسسات منتجة تدعم استقرار المجتمع والدولة.
ويحتاج العراق اليوم إلى جيل جديد من رجال الأعمال يمتلك رؤية وطنية تتجاوز التجارة التقليدية نحو الاستثمار في الصناعة والزراعة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والنقل والسياحة والتعليم والصحة والخدمات الحديثة.
كما أن المسؤولية لا تقع على القطاع الخاص وحده فالدولة مطالبة بتوفير بيئة آمنة ومستقرة للاستثمار من خلال تبسيط الإجراءات وحماية المستثمرين ومكافحة الفساد وإصلاح النظام المصرفي وتسهيل التمويل وضمان عدالة المنافسة ومنع الاحتكار.
إن العلاقة المطلوبة بين الدولة ورجال الأعمال يجب أن تقوم على الشراكة والشفافية وتكامل الأدوار فالدولة تضع السياسات وتحمي القانون وتوفر البنية التحتية والقطاع الخاص يستثمر ويدير ويبتكر وينتج.
ويمثل العراقيون في الداخل والخارج ثروة اقتصادية ومعرفية كبيرة ويمكن استثمار خبراتهم وعلاقاتهم الدولية في نقل التكنولوجيا وجذب رؤوس الأموال وبناء شراكات مع الشركات العالمية وإعادة تقديم العراق باعتباره سوقا واعدة ومركزا اقتصاديا يربط الخليج بتركيا وإيران وبلاد الشام وأوروبا.
ولا يمكن الحديث عن الريادة الاقتصادية من دون تأكيد المسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال فنجاح الشركات يجب أن ينعكس على حياة المواطنين من خلال فرص العمل ودعم التعليم والتدريب ورعاية المبادرات الشبابية والمساهمة في تنمية المحافظات والمناطق الأقل حظا.
إن العراق لا تنقصه الأموال ولا العقول ولا الفرص لكنه يحتاج إلى رؤية اقتصادية جريئة وإدارة رشيدة وقطاع خاص وطني يؤمن بأن الاستثمار في العراق ليس مشروعا تجاريا فحسب بل مساهمة في بناء الدولة وحماية مستقبل الأجيال.
وحين تمنح الدولة رجال الأعمال الجادين مساحة للعمل وتوفر لهم الحماية القانونية وتطالبهم في المقابل بالالتزام والنزاهة والمسؤولية فإن العراق سيكون قادرا على الانتقال من اقتصاد يستهلك الثروة إلى اقتصاد يصنعها ومن دولة تعتمد على النفط إلى دولة متعددة الموارد تقود التنمية وتنافس في أسواق المنطقة والعالم.







