حرية
يدفع العراق باتجاه إعادة بناء منظومة تصدير النفط على أساس تعدد المسارات والمنافذ، في خطوة تستهدف تقليل هشاشة الاعتماد على طرق محددة وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة الأزمات الجيوسياسية واضطرابات الملاحة.
وفي هذا الإطار، أعلن وزير النفط باسم محمد خضير، اليوم السبت، اتفاق العراق مع ائتلاف شركات تقوده شركة «شيفرون» الأمريكية لتنفيذ مشروع خط أنابيب استراتيجي يمتد من البصرة إلى فيشخابور شمال البلاد، بطاقة نقل تصل إلى مليوني برميل يومياً، وبكلفة تقديرية تبلغ 15 مليار دولار.
وقال خضير، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء العراقية، إن المشروع سيقام بمحاذاة الخط الاستراتيجي الحالي، ويهدف إلى تعزيز شبكة نقل النفط العراقية وفتح المجال أمام ربطها بمنافذ تصدير إضافية، من بينها ميناء بانياس السوري وميناء العقبة الأردني.
ويُنفذ مشروع خط البصرة–فيشخابور وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية، بما يعني إسناد عملية التمويل والتنفيذ والتشغيل إلى الائتلاف المستثمر لفترة محددة، قبل انتقال ملكية المشروع إلى الدولة وفق الشروط التعاقدية.
مشروع يتجاوز نقل النفط
تكمن أهمية المشروع في أنه لا يمثل مجرد إضافة جديدة إلى شبكة الأنابيب العراقية، بل يعكس محاولة لإعادة صياغة فلسفة تصدير النفط العراقي.
فالعراق، الذي ينتج حالياً نحو 2.7 مليون برميل يومياً ويصدر ما بين 1.5 و1.7 مليون برميل، يحتاج إلى بنية تحتية قادرة على نقل الخام من مناطق الإنتاج إلى أكثر من منفذ تصديري، بدلاً من الاعتماد على مسار واحد يمكن أن يتأثر بالأزمات السياسية أو الأمنية أو البحرية.
ومن هذه الزاوية، فإن خط البصرة–فيشخابور يمكن أن يتحول إلى حلقة مركزية تربط جنوب العراق بشماله، وتتيح مستقبلاً توجيه جزء من الخام نحو منافذ مختلفة بحسب الظروف الاقتصادية والجيوسياسية.
بانياس والعقبة.. خيارات إضافية
إمكانية ربط الشبكة العراقية بميناء بانياس السوري وميناء العقبة الأردني تمنح المشروع بعداً إقليمياً مهماً.
فالعراق سيكون أمام خيارات متعددة لتصدير النفط، سواء عبر البحر في الجنوب، أو من خلال الأراضي التركية باتجاه ميناء جيهان، أو عبر مسارات مستقبلية نحو سوريا والأردن.
وتعدد المنافذ لا يعني بالضرورة تشغيل جميع المسارات في الوقت نفسه، لكنه يمنح بغداد قدرة أكبر على المناورة في حال تعرض أحد خطوط التصدير للتعطل.
وهذه النقطة أصبحت أكثر أهمية بعد الأزمات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن اضطراب ممر ملاحي أو توتر سياسي بين دولتين يمكن أن ينعكس مباشرة على صادرات النفط وإيرادات الموازنة العراقية.
تركيا تبقى لاعباً أساسياً
بالتوازي مع المشروع الجديد، أكد وزير النفط تجديد الاتفاقية النفطية مع تركيا، مع العمل على زيادة الكميات المنقولة عبر ميناء جيهان.
وتستمر عمليات نقل الخام من حقول كركوك وإقليم كردستان، إلى جانب الكميات القادمة من حقول البصرة عبر الخط الاستراتيجي.
وهذا يعني أن بغداد لا تتجه إلى استبدال مسار جيهان بمشروع البصرة–فيشخابور، وإنما تسعى إلى بناء شبكة متعددة الخيارات، بحيث يصبح العراق أقل تعرضاً لمخاطر توقف منفذ واحد.
شيفرون.. اختبار للاستثمار الأمريكي
إسناد المشروع إلى ائتلاف تقوده شركة «شيفرون» الأمريكية يحمل كذلك دلالة سياسية واقتصادية، خصوصاً في ظل توجه بغداد إلى توسيع حضور الشركات الأمريكية والغربية في قطاع الطاقة.
ويشير الوزير إلى أن زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة أسفرت عن توقيع ثلاث مذكرات تفاهم مع شركات أمريكية، إضافة إلى عقود ومذكرات مرتبطة بتطوير واستثمار النفط والغاز المصاحب.
وهذا التوجه يمكن أن يمنح العراق فرصة للاستفادة من الخبرة والتكنولوجيا ورؤوس الأموال الأجنبية، لكنه في المقابل يضع الحكومة أمام ضرورة صياغة عقود استثمارية تحقق توازناً بين جذب المستثمرين والحفاظ على أعلى عائد ممكن للدولة.
الغاز.. نصف المعادلة المنسية
ولا تقتصر خطة وزارة النفط على النفط الخام، إذ يقول خضير إن الحكومة تعمل بالتوازي على إنهاء حرق الغاز واستثمار الحقول الغازية.
وأحالت الوزارة 14 عقداً إلى شركات عالمية ضمن خطط زيادة إنتاج الغاز المحلي، في محاولة لتقليص الخسائر الناتجة عن حرق الغاز المصاحب وتقليل الاعتماد على استيراد الغاز لتشغيل محطات الكهرباء.
وإذا نجحت بغداد في الجمع بين تطوير إنتاج النفط واستثمار الغاز المصاحب والغاز الحر، فإنها ستكون أمام تحول مهم في قطاع الطاقة، لأن القيمة الاقتصادية للثروة النفطية لن تعود محصورة في تصدير الخام فقط.
التحدي الحقيقي: التمويل والجدوى
رغم الأهمية الاستراتيجية للمشروع، فإن كلفته المقدرة بـ15 مليار دولار تفرض أسئلة جدية حول الجدوى الاقتصادية وآلية استرداد الاستثمار وحجم العائد المتوقع من تشغيل الخط.
كما أن ربط المشروع بمنافذ خارجية مثل بانياس والعقبة يتطلب اتفاقات سياسية وفنية وأمنية مستقرة مع الدول المعنية، وهو أمر قد يتأثر بالتغيرات الإقليمية.
لكن اعتماد نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية قد يخفف الضغط المباشر على الموازنة العراقية، إذا جرى تصميم العقد بصورة تضمن تنفيذ المشروع دون تحميل الدولة التزامات مالية غير محسوبة على المدى الطويل.
العراق يحاول فك ارتباط صادراته بمسار واحد
في المحصلة، يبدو أن مشروع البصرة–فيشخابور يمثل جزءاً من تحول أوسع في السياسة النفطية العراقية: الانتقال من التركيز على زيادة الإنتاج إلى حماية القدرة على تصديره.
فامتلاك النفط لا يكفي إذا لم يمتلك العراق طرقاً متعددة وآمنة لإيصاله إلى الأسواق.
ولهذا فإن نجاح المشروع، إلى جانب تطوير جيهان والمسارات الجنوبية وإحياء خيارات التصدير عبر سوريا والأردن، يمكن أن يمنح العراق شبكة نفطية أكثر مرونة، ويقلل تعرض إيراداته لصدمات الجغرافيا والسياسة والملاحة.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في وضع الأنابيب داخل الأرض، بل في قدرة بغداد على تحويل هذه الشبكة إلى بنية تصدير مستقلة ومرنة، لا تتوقف صادراتها عند أول أزمة إقليمية.







