حرية
تكشف تصريحات محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق عن قلق متزايد داخل المؤسسات المالية من هشاشة البنية الاقتصادية العراقية، في ظل استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط وغياب التنسيق العميق بين السياسة المالية والنقدية، وهو ما يضع البلاد أمام تحديات قد تصبح أكثر خطورة مع أي هزة في أسعار النفط أو الأسواق العالمية.
حديث العلاق عن ضرورة إشراك البنك المركزي في إعداد الموازنة الاتحادية لا يبدو مجرد مقترح إداري، بل يعكس إدراكاً بأن الاقتصاد العراقي دخل مرحلة تتطلب إدارة أكثر دقة للتوازنات النقدية والمالية، خصوصاً مع تصاعد الضغوط على السيولة وسعر الصرف والتضخم.
ويشير محافظ البنك المركزي بوضوح إلى أن غياب التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي قد يؤدي إلى اختلالات اقتصادية خطيرة، لأن أي توسع غير محسوب في الإنفاق الحكومي يمكن أن ينعكس مباشرة على:
- الاستقرار النقدي
- قيمة الدينار
- مستويات التضخم
- والسيولة داخل السوق.
الأخطر في التصريحات يتمثل في توصيف العجز الحالي بأنه “هيكلي ومزمن”، وهي عبارة تحمل دلالات اقتصادية ثقيلة، لأنها تعني أن المشكلة لم تعد مرتبطة بانخفاض مؤقت في الإيرادات، بل بطبيعة الاقتصاد العراقي نفسه الذي يعتمد بشكل شبه كلي على النفط لتمويل الرواتب والإنفاق الحكومي.
ويكشف هذا الواقع أن أي انخفاض حاد في أسعار النفط مستقبلاً قد يضع الحكومة أمام أزمة تمويل حقيقية، خصوصاً أن النفقات الأساسية مثل:
- الرواتب
- الأدوية
- الغذاء
تُعد نفقات ثابتة لا يمكن تقليصها بسهولة.
كما أن حديث العلاق عن ضعف السوق المالية العراقية يسلط الضوء على مشكلة أخرى تتمثل في محدودية أدوات تمويل العجز، إذ لا يمتلك العراق سوق سندات متطورة أو قطاعاً مالياً عميقاً كما هو الحال في الاقتصادات الكبرى، ما يجعل الدولة تعتمد بصورة أساسية على:
- المصارف الحكومية
- البنك المركزي
- والاقتراض المباشر.
وفي الوقت نفسه، حاول محافظ البنك المركزي إرسال رسائل طمأنة بشأن استقرار سعر الصرف وتأمين الرواتب، في ظل تصاعد المخاوف الشعبية من أي أزمة مالية محتملة نتيجة التوترات الإقليمية وتقلبات أسعار النفط.
لكن خلف هذه الرسائل المطمئنة تظهر إشارات واضحة إلى أن الاقتصاد العراقي يحتاج إلى إصلاحات أعمق تتجاوز الحلول المؤقتة، خصوصاً أن استمرار الاعتماد على النفط وحده يجعل البلاد شديدة الحساسية لأي أزمة جيوسياسية أو اقتصادية عالمية.
كما تعكس دعوة العلاق إلى اعتماد “موازنة البرامج” محاولة للانتقال من الإنفاق التقليدي إلى نموذج يربط الأموال بالأهداف التنموية والإنتاجية، إلا أن عدم تطبيق هذا المقترح حتى الآن يكشف حجم التعقيدات السياسية والإدارية التي تعرقل إصلاح النظام المالي.
وفي المجمل، تبدو تصريحات محافظ البنك المركزي بمثابة تحذير اقتصادي مبكر من أن العراق لا يواجه فقط أزمة سيولة أو سعر صرف، بل تحدياً بنيوياً يتعلق بمستقبل نموذج الدولة الريعية بالكامل، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية على الاقتصاد العراقي.







