حرية
لم تبدأ حكايته في ساحة معركة، ولم يكن أول مشهد في حياته صوت انفجار أو رائحة بارود، بل بدأت القصة في مدينة أمستردام، حيث وُلد طفلاً يحمل الجنسية الهولندية عام 2009، ونشأ في بيئة تبدو بعيدة كل البعد عن الحروب والتنظيمات المتطرفة.
كانت طفولته، في ظاهرها، تشبه حياة آلاف الأطفال في أوروبا، غير أن سنواته الأولى حملت شرخاً مبكراً حين انفصل والده عن الأسرة، ليبقى مع والدته فقط، في بيئة افتقدت أحد أهم مقومات الاستقرار الأسري.
لم يكن ذلك كافياً وحده لرسم مستقبله، لكنه ترك فراغاً نفسياً واجتماعياً اتسع مع مرور السنوات، وفي صيف عام 2017، غادر الطفل هولندا برفقة والدته متوجهاً إلى تركيا، قبل أن ينتقلا لاحقاً إلى سوريا، التي كانت آنذاك تشهد تصاعداً في النزاع المسلح وتبدلاً مستمراً في خارطة السيطرة بين الجماعات المسلحة.
وبالنسبة لطفل لم يتجاوز الثامنة من عمره، لم يكن الانتقال يحمل أي معنى يتعلق بالحرب أو المخاطر الأمنية، بل كان مجرد رحلة مع الشخص الوحيد الذي كان يمثل له الأمان والاستقرار، لم يكن يدرك طبيعة الحرب التي أحاطت به، فمصطلحات مثل خطوط المواجهة، والسيطرة العسكرية، والفصائل المسلحة، لم تكن تعني له شيئاً. كان يعيش بعقل طفل يرى العالم كما يراه أقرانه، بينما كانت الحرب تعيد رسم ذلك العالم من حوله، دون أن يعلم أنه أصبح جزءاً من إحدى أكثر قصصه تعقيداً.
وخلال إحدى موجات التصعيد العسكري، تعرض مكان إقامته للقصف، فأصيب وفقد وعيه، وعندما استيقظ داخل أحد المستشفيات، لم يجد والدته إلى جواره، لم يعرف ماذا حل بها، ولا أين اختفت، ولا حتى إن كانت ما تزال على قيد الحياة، وفي لحظات قليلة، انتقل من حضن أسرته إلى بيئة تهيمن عليها جماعة مسلحة تتبنى فكراً متطرفاً، بعدما فقد آخر شخص كان يمنحه الشعور بالأمان.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة من حياته.
لم يعد يعيش داخل أسرة، بل داخل فضاء مغلق فرضته جماعة متطرفة أحكمت سيطرتها على المكان، تنقل بين عدد من عناصر عصابات داعش، ثم عاش لاحقاً مع عائلة أجنبية مرتبطة فكرياً بعصابات داعش الإرهابية داخل مناطق سيطرتها، وخلال تلك السنوات، لم يكن يمتلك حرية اختيار المكان الذي يعيش فيه، ولا الأشخاص الذين يرافقهم، ولا حتى الأفكار التي تتردد على مسامعه كل يوم، كانت حياته تدور داخل بيئة معزولة، لا تسمح إلا بخطاب واحد، يقوم على الفكر المتطرف ويمنع أي مصدر آخر للمعلومة أو الرأي.
وتكشف هذه الحالة جانباً من المنهج الذي اعتمدته عصابات داعش في التعامل مع الأطفال والمراهقين داخل مناطق النزاع، فالتنظيم لم يعتمد على القوة المسلحة أو التدريب العسكري وحدهما، بل عمل بصورة ممنهجة على إعادة تشكيل البيئة الفكرية والنفسية للأطفال، مستفيداً من الظروف التي جعلتهم أكثر هشاشة. فالطفل الذي يفقد أسرته، أو يعيش العزلة، أو يفتقد الشعور بالأمان، يصبح أكثر قابلية للبحث عمن يمنحه الحماية والانتماء، وهو ما استغله التنظيم لبناء ولاء فكري طويل الأمد.
وتشير أعمال التوثيق التي يجريها المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي إلى أن هذه الأساليب لم تكن حالات فردية أو استثنائية، وإنما كانت جزءاً من استراتيجية اعتمدها المتطرفون لاستهداف الفئات العمرية الصغيرة. فقد عملوا على استغلال مشاعر العزلة وفقدان الروابط الأسرية، بهدف إعادة تشكيل أفكار الأطفال والمراهقين، وإحلال هوية جديدة محل هويتهم الأصلية، بما يخدم أهدافه في السيطرة الفكرية والاستقطاب المستمر.
ولا تمثل هذه الحالة استثناءً ضمن ملف الأحداث المرتبطين بمناطق النزاع، بل تندرج ضمن عدد كبير من الأحداث الذين يشكلون جزءاً من ملف يضم (5704) متهماً من مختلف الأعمار والجنسيات، تسلمهم العراق من سوريا، ويتولى المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي متابعته بالتنسيق مع الجهات القضائية المختصة. ويعكس هذا الملف حجم التحديات القانونية والإنسانية المرتبطة بالتعامل مع هذه الفئة، بما يستوجب دراسة كل حالة بصورة مستقلة، استناداً إلى الأدلة والوقائع والظروف الخاصة بها.
وفي عام 2019، ومع انهيار آخر معاقل عصابات داعش الإرهابية في منطقة الباغوز شرقي سوريا، وصل الطفل إلى تلك المنطقة، وكان لا يزال في العاشرة من عمره، وخلال العمليات العسكرية، سلّم نفسه إلى القوات المسيطرة على المنطقة، قبل أن يخضع للإجراءات القانونية الخاصة بالأحداث، وينقل لاحقاً، ضمن الترتيبات القضائية والأمنية إلى العراق.
وتندرج حالته ضمن ملف الأحداث الذي يضم (5704) متهماً من مختلف الأعمار والجنسيات، كانوا قد نُقلوا من سجون شمال شرقي سوريا، في إطار إجراءات قضائية هدفت إلى إخضاع كل حالة للتدقيق والتحقيق والتقييم بصورة مستقلة، ووفقاً لأحكام القانون العراقي والمعايير الدولية ذات الصلة.
واليوم، يقيم الحدث داخل مركز احتجاز مخصص للأحداث، حيث يخضع لإجراءات قانونية تراعي الضمانات المقررة لهذه الفئة، بالتوازي مع تقييم نفسي واجتماعي يشرف عليه فريق متعدد التخصصات يضم أطباء نفسيين، وباحثين اجتماعيين، وخبراء في تحليل ودراسة الشخصية، بهدف تقييم مدى تأثره بالأفكار المتطرفة، والتمييز بين ما نتج عن قناعة شخصية، وما كان نتيجة مباشرة للظروف القسرية التي عاشها خلال سنوات النزاع.
ولا يقتصر تعامل القضاء العراقي مع هذا الملف على المساءلة القانونية وحدها، بل يقوم على دراسة كل حالة بصورة منفردة، استناداً إلى الأدلة والوقائع والظروف المحيطة بها. ويعكس ذلك ما أعلنه المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي مؤخراً بشأن تسليم حدثين، أحدهما من مواطني جمهورية فنلندا والآخر من الولايات المتحدة الأمريكية، إلى السلطات المختصة في بلديهما، بعد ثبوت عدم انتمائهما إلى عصابات داعش الإرهابية، وذلك عقب استكمال جميع الإجراءات القانونية والقضائية، وفي إطار التعاون القضائي الدولي، بما يؤكد أن كل قضية تخضع لتقييم مستقل وفق نتائج التحقيق والأدلة المتوافرة.







