باولينا فيلاسكو
صُدم كثر حول العالم من محاولة الاغتيال الثالثة التي استهدفت الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض. أما بالنسبة إلى من يعيشون داخل الولايات المتحدة، فما يلفت الانتباه ليس العنف في حد ذاته، بل السرعة التي تمضي بها البلاد إلى طي الحادثة.
داخل مكان عملي، في مجلس مدينة لوس أنجليس، يسود شعور بالإرهاق أكثر من الذعر. فالعنف السياسي لم يعد يبدو كأنه انقطاع طارئ في مجرى الحياة الأميركية، بل بات، على نحو متزايد، جزءاً من خلفيتها العامة. وحتى ترمب نفسه تعامل معه بخفة، إذ قال إنه “لم يكن قلقاً” من الهجوم الفاشل، مضيفاً ببساطة: “نحن نعيش في عالم مجنون”.
كان هذا الرد معبراً عن جانب من المزاج الوطني، لكنه أظهر أيضاً مدى السرعة التي باتت تمر بها أحداث كان يمكن لها في السابق أن توحد الأميركيين حول شعور مشترك بالقلق، من دون أن تفرض اليوم لحظة مشتركة من المراجعة أو التوقف.
يحمل عشاء مراسلي البيت الأبيض أهمية رمزية قد يصعب على غير الأميركيين تقديرها. فهو أحد الطقوس المدنية القليلة المتبقية التي لا تزال تجمع السلطة والمساءلة وجهاً لوجه: رؤساء وصحافيون ونقاد ومؤيدون في القاعة نفسها. وعندما يقترب العنف حتى من محيط هذا المشهد، فإن ذلك لا يعكس خللاً أمنياً فحسب، بل يكشف أيضاً تصدعاً في الثقافة الديمقراطية نفسها.
كان هناك وقت كانت فيه التهديدات التي تستهدف القادة المنتخبين تثير استجابة مشتركة على مستوى المجتمع بأسره. أما اليوم، فتتفتت الردود على الفور على أسس حزبية. فبعض الأميركيين يفسر هذه الحوادث أولاً من خلال ولائه للشخص المستهدف أو عدائه له. وآخرون يفترضون أنها مجرد مسرح سياسي. وكثر يهرعون إلى نظريات المؤامرة. وكثر أيضاً يكتفون بهز الأكتاف [تعبيراً عن لامبالاة بما يجري].
لا تتعثر الديمقراطيات فقط عندما تضعف مؤسساتها، بل أيضاً حين يفقد المواطنون اتفاقهم على ما ينبغي أن يثير قلقهم. وهناك نمط آخر بات من الصعب تجاهله: صورة منفذ الاعتداء السياسي آخذة في التغير.
فعلى نحو متزايد، لم يعد المسؤولون عن هذه الهجمات متطرفين معزولين اجتماعياً بالمعنى التقليدي. بل أصبحوا، على نحو متزايد، شباناً صاغت تجربتهم تدريبات المدارس على مواجهة حوادث إطلاق النار، وبيئات أيديولوجية رقمية، والتعرض المستمر لأزمات وطنية. وقد ترك عدد من منفذي الهجمات الأخيرة بيانات أو رسائل سياسية مُصاغة بعناية. وقيل إن كول توماس ألين، مهندس الكمبيوتر البالغ من العمر 31 عاماً من كاليفورنيا، والمتهم بإطلاق النار خلال عشاء الفندق، ترك خلفه مذكرة يتهم فيها مسؤولين كباراً في الإدارة بسوء السلوك، ويصف نفسه بأنه “قاتل فيدرالي ودود”.
لم يعد العنف مجرد فعل غضب، بل أصبح، في بعض الحالات، محاولة لإيصال رسالة.
وبالنسبة إلى المراقبين في المملكة المتحدة، حيث تخضع الأسلحة النارية لرقابة صارمة وتندر حوادث إطلاق النار ذات الدوافع السياسية، قد يكون من الصعب تفسير هذا الواقع. لكن في الولايات المتحدة، فإن الأثر التراكمي واضح بما لا لبس فيه. فجيل من الأميركيين نشأ على التدرب على ما ينبغي فعله إذا فتح أحدهم النار داخل صفه الدراسي، يعيش اليوم في بلد لم يعد يفترض فيه أن تكون حتى التجمعات الديمقراطية الرسمية آمنة.
لقد أصبح العنف السياسي في الولايات المتحدة استعراضياً بقدر ما هي الشعبوية نفسها استعراضية، كأنه صمم ليرى.
السياق مهم أيضاً. فمعدلات التأييد للرئيس ترمب منخفضة حالياً، وهو ما يساعد في تفسير خفوت رد الفعل الوطني. ففي السابق، كانت التهديدات التي تستهدف الرئاسة تولد أثراً يدفع الناس إلى الالتفاف حول العلم. أما اليوم، فقد ضعف هذا الميل. ولم يعد المنصب نفسه يحظى بالمقدار ذاته من التضامن التلقائي.
كما أن التوترات الأخيرة المرتبطة بالدين، بما في ذلك الخلاف المستمر مع البابا ليون، والجدل الذي أثارته صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ظهر فيها الرئيس كما لو أنه يشبه نفسه بالمسيح، جعلت من الأصعب عليه أن يجسد ذلك النوع من السلطة الأخلاقية التي اعتاد الأميركيون التطلع إليها في الرئاسة خلال لحظات الضغط الوطني. ولهذا السبب، تكتسب زيارة الدولة التي يقوم بها الملك تشارلز إلى الولايات المتحدة أهمية رمزية خاصة، فهو، بصفته الحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا، يجسد قيادة دستورية وروحية في آن واحد.
ولا يعني أي من ذلك أن الديمقراطية الأميركية على وشك الانهيار. لكن الخطر أكثر خفاءً من ذلك. فالعنف السياسي نادراً ما يغير بلداً بين ليلة وضحاها. وغالباً ما يصبح طبيعياً ببطء، إلى أن يأتي يوم يصبح فيه متوقعاً بكل بساطة.
ما يقلق كثراً منا في الحياة العامة ليس أن إطلاق النار وقع مساء السبت، بل إن عدداً كبيراً من الأميركيين بدا غير متفاجئ به، وغير مكترث أيضاً.
باولينا فيلاسكو رئيسة موظفي مجلس مدينة لوس أنجليس، وصحافية، واستراتيجية سياسية ديمقراطية





