د.هبة السامرائي
هناك أشياء كثيرة نعتقد أننا اخترناها بإرادتنا، بينما هي في الحقيقة اختارتنا بهدوء.
أفكارنا تحديداً، تلك التي نظن أنها تمثلنا، ليست دائماً نابعة من داخلنا كما نتصور، بل هي خليط معقّد من أصوات سمعناها، ومواقف عشناها، ونماذج رأيناها تتكرر حتى استقرت فينا دون استئذان.
نحن لا نولد محمّلين بكل هذه القناعات…
في بداياتنا، كنا صفحة بيضاء، ثم بدأت البيئة تكتب أول سطورها ..
كلمات عابرة من العائلة، تعليقات غير مقصودة، مقارنات صغيرة، أو حتى نظرات رضا أو خيبة…
ومع الوقت، لم تعد تلك الأشياء مجرد أحداث، بل تحولت إلى “صوت داخلي” يرافقنا…
ذلك الصوت الذي يقول لنا من نحن، وما نستحق، وما يمكننا فعله أو لا يمكننا…
العائلة، على سبيل المثال، لا تعلّمنا فقط كيف نعيش، بل كيف نفكر أيضاً ..
حين يكبر الإنسان في بيئة تكثر فيها المخاوف، يتعلم الحذر قبل أن يتعلم التجربة… وحين ينشأ في محيط يربط القيمة بالإنجاز فقط، يبدأ تدريجياً في قياس نفسه بالأرقام لا بالمشاعر… دون أن ينتبه، يصبح أسيراً لنمط تفكير لم يختره بوعي، لكنه اعتاد عليه حتى ظنه حقيقته…
ثم يأتي المجتمع، بتوقعاته غير المعلنة… يضع قوالب جاهزة .. هذا هو النجاح، هذه هي الحياة المثالية، هكذا يجب أن تكون…
ومع التكرار، تتحول هذه الصور إلى معايير نقيس بها أنفسنا… لا نسأل إن كانت تناسبنا، بل فقط نحاول اللحاق بها… وهنا، تبدأ الأفكار في التشكل بشكل أعمق، ليس لأننا اقتنعنا بها، بل لأننا لم نتوقف لنسأل…
ولا يمكن تجاهل تأثير المحتوى الذي نستهلكه يومياً. كل ما نراه، نقرأه، ونسمعه، يترك أثراً صغيراً يتراكم مع الوقت. فكرة عابرة قد تتحول إلى قناعة، ومشهد متكرر قد يعيد تشكيل نظرتنا لأنفسنا أو للعالم…
المشكلة ليست في التأثر، فهذا أمر طبيعي، بل في التأثر غير الواعي، حين ندخل أفكاراً إلى عقولنا دون أن ننتبه أنها ستبقى…
لكن، هل يعني هذا أننا بلا سيطرة؟ هل نحن مجرد نتيجة لكل ما مررنا به؟ ليس تماماً …
الوعي هو نقطة التحول… أن تدرك أن أفكارك ليست كلها “أنت” ..
بل بعضها مجرد بقايا تأثيرات، هذه بداية مختلفة…
حين تبدأ في ملاحظة صوتك الداخلي، وتسأل هل هذه الفكرة حقيقية أم موروثة؟ هل تمثلني أم تعود لشيء سمعته يوماً ؟
هنا، تبدأ أول خطوة نحو التحكم…
التحكم في الأفكار لا يعني أن تمنع السلبية من الظهور، فهذا غير واقعي. بل يعني أن لا تمنحها سلطة مطلقة. أن ترى الفكرة السلبية، تعترف بوجودها، لكن لا تسمح لها بأن تتحول إلى حقيقة نهائية.
أن تقول قد أشعر بهذا الآن، لكن هذا لا يعني أنه أنا بالكامل..
وبالمقابل، تبنّي الأفكار الإيجابية ليس تزييفاً للواقع، بل اختيار واعٍ لما نغذّي به عقولنا.
حين تختار أن تحيط نفسك بمحتوى يرفعك بدل أن يستنزفك، حين تبتعد تدريجياً عن البيئات التي تعزز الشك والخوف، وحين تعطي مساحة لأفكار أكثر رحمة واتزاناً، فأنت لا تغيّر العالم، بل تغيّر زاوية رؤيتك له.
الأمر أشبه بإعادة ترتيب الداخل. ليس سهلاً، وليس سريعاً، لكنه ممكن…
يبدأ بالملاحظة، ثم التساؤل، ثم الاختيار. اختيار ما يبقى، وما يجب أن يرحل…
في النهاية، نحن لسنا مسؤولين عن كل فكرة خطرت في أذهاننا، لكننا مسؤولون عن الأفكار التي نسمح لها بالبقاء. وبين ما يُفرض علينا، وما نختاره لأنفسنا، تتشكل هويتنا الحقيقية…
وربما، الوعي ليس أن نتحكم في كل شيء، بل أن نعرف متى نقول هذه الفكرة لا تشبهني… ولن أجعلها تعرّفني..







