حرية
بقلم سالم الساعدي
حين نبحث عن بوصلة تساعدنا على فهم المواقف السياسية والاجتماعية في حاضرنا، فإن العودة إلى التاريخ وسيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام تفتح أمامنا أبواباً واسعة للعبرة والدروس.
والاستشهاد بهذه النماذج التاريخية لا يعني عقد مقارنات مباشرة بين الشخصيات والظروف، ولا إسقاط أحداث الماضي على الحاضر، وإنما الغاية هي التوقف عند مواقف تكشف لنا كيف تعامل أئمة أهل البيت عليهم السلام وأصحابهم مع الظروف السياسية المعقدة، وكيف وازنوا بين المبادئ، والمصلحة العامة، وحفظ حقوق الناس والمظلومين.
الإمام الرضا عليه السلام وولاية العهد
من أبرز هذه النماذج موقف الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام حين أصبح ولياً للعهد في عهد المأمون.
ولا يمكن قراءة هذا الموقف على أنه مساومة على حقوق الشيعة أو تنازل عن المبادئ، حاشا للإمام عليه السلام، وإنما ينبغي فهمه في إطار الظروف السياسية والتكليف الذي كان الإمام أعرف به، وما يمكن أن يحققه وجوده في ذلك الموقع من آثار.
وهنا تبرز قاعدة مهمة: إن وجود الإنسان في موقع داخل منظومة سياسية لا يعني بالضرورة تخليه عن مبادئه أو مساومته على حقوقه، فقد يتحول الموقع، في ظروف معينة، إلى وسيلة لحماية الناس ودفع الضرر عنهم وتحقيق بعض مصالحهم.
علي بن يقطين.. المسؤولية من داخل السلطة
ونجد نموذجاً آخر في شخصية علي بن يقطين الكوفي البغدادي، أحد أصحاب الإمام موسى الكاظم عليه السلام، والذي تولى الوزارة في عهد هارون الا رشيد.
ورغم علم هارون بانتماء علي بن يقطين إلى الإمام الكاظم عليه السلام، فإن الإمام عليه السلام وجهه إلى البقاء في موقعه، لما يمكن أن يحققه وجوده من خدمة للمؤمنين والتخفيف عن المظلومين وقضاء حوائج الناس.
وقد ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام قوله:
«كفارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان».
وهنا نرى أن الموقع السياسي لا يُقاس بعنوانه فقط، وإنما بما يستطيع الإنسان أن يفعله من خلاله. فقد يكون وجود شخص مؤمن وصاحب مبدأ في موقع مؤثر سبباً في دفع الظلم، وحماية الناس، وقضاء حوائجهم، وربما تحقيق أهداف ومصالح عامة كانت قد أُعدت لها خطط ومشاريع مع أهل الاختصاص.
عبد الله النجاشي وولاية الأهواز
ومن النماذج المهمة أيضاً عبد الله النجاشي، الذي تولى ولاية الأهواز، فكتب إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام يستشيره في أمره.
فكان من جواب الإمام عليه السلام:
«عسى أن يغيث الله بك ملهوفاً من أولياء آل محمد ويعزّ بك»،
ثم حذره من أن يظلم أحداً من الموالين.
وتكشف الرسالة التي وصلت الامام من عبد الله النجاشي عن معنى عميق للمسؤولية؛ فالمنصب يمكن أن يكون وسيلة لإغاثة الملهوف، ودفع الظلم، وحماية الناس، إذا أحسن المسؤول استخدام موقعه.
وهذا النموذج لا يُطرح للمقارنة المباشرة مع واقعنا، وإنما للتذكير بأن قيمة المنصب لا تكمن في عنوانه، وإنما في كيفية توظيفه لخدمة الناس وحماية حقوقهم والتخفيف عن المظلومين.
من التاريخ الإسلامي إلى العراق الحديث
ولا تتوقف النماذج عند التاريخ الإسلامي، بل نجد في التاريخ العراقي الحديث شخصيات تولت مواقع سياسية وإدارية، ومن بينها محمد حسن الصدر، الذي تولى رئاسة وزراء العراق عام 1948، كما شغل عضوية مجلس الأعيان وترأسه في مرحلة من المراحل.
وهو ينتمي إلى أسرة دينية معروفة، وكان له حضور في الحياة العامة ومواقف سياسية ووطنية في مراحل مهمة من تاريخ العراق.
واستحضار هذه الشخصية وغيرها لا يعني وضعها في سياق واحد مع الشخصيات التاريخية السابقة، وإنما يأتي في إطار البحث عن نماذج يمكن من خلالها فهم العلاقة بين الموقع والمسؤولية وخدمة الناس.
العبرة ليست بالمنصب وإنما بما يُصنع من خلاله
إن استحضار هذه النماذج لا يعني تشبيه أصحابها ببعضهم، ولا المقارنة بين ظروفهم المختلفة، فلكل مرحلة تاريخية ظروفها وتعقيداتها وخصوصياتها.
فالغاية هي التذكير لا التشبيه، واستخلاص الدروس لا إصدار الأحكام المسبقة.
وعندما نقيم موقف شخص يتولى منصباً عاماً، ينبغي ألا يكون معيارنا الوحيد هو عنوان المنصب أو الجهة التي ينتمي إليها، بل علينا أن ننظر إلى ما يستطيع أن يقدمه من خلال موقعه:
هل يستطيع خدمة الناس؟
هل يستطيع التخفيف عن المظلومين؟
هل يحفظ حقوقهم؟
هل يدفع الضرر عن المجتمع؟
وهل يستطيع الحفاظ على مبادئه وقيمه وهو يؤدي مسؤوليته؟
لقد علّمنا تاريخ أئمة أهل البيت عليهم السلام واتباعهم الذين سارو على خطاهم أن المواقف لا تُفهم دائماً من ظاهرها، وأن معرفة الظروف والتكليف والنتائج جزء أساسي من فهم أي موقف.
ومن هنا، فإن استذكار هذه النماذج ليس دعوة إلى تبرير كل موقف سياسي، او دعوه لتاييد شخصا بتولي مسؤولية ، وإنما هو دعوة إلى إعادة النظر في طريقة تفكيرنا ومعايير حكمنا على الأشخاص والمواقف. وكيفية التفكير والحكم على الاخرين ، فالعبرة ليست بالمنصب وحده، وإنما بما يقدمه الإنسان من خلاله، وبقدرته على تحويل موقع المسؤولية إلى وسيلة لخدمة الناس وحماية حقوقهم، مع الحفاظ على المبادئ والقيم.
كلمة أخيرة
فكّر أيها القارئ الكريم في هذه الشواهد، وأعد النظر في دلالاتها، وتأمل كم يمكن أن يبلغ المجتمع من الاستقرار والسعادة لو وُضع الأمراء وأرباب الدولة في مواقعهم المناسبة، واختير لها الرجال القادرون على حمل الأمانة، وجعلوا من مواقعهم وسيلة لخدمة الناس لا غاية لمصالحهم الخاصة.
ولو أحسن السياسيون إدارة خلافاتهم، وتعاملوا فيما بينهم بروح المسؤولية، وجعلوا المصلحة العامة فوق المصالح الضيقة، لكان أثر ذلك أعمق في حياة الناس والمجتمع.
لكن الإنسان، رغم كل ما مر به من تجارب التاريخ، لا يزال في كثير من الأحيان غارقاً في سكرته، لا يستيقظ لسماع مثل هذه المواعظ، ولا يلتفت إلى أن التاريخ لا يكرر نفسه بالضرورة، لكنه يترك لنا دائماً ما يكفي من الدروس لمن أراد أن يتعلم.
فليكن التاريخ بوصلة لفهم الحاضر، لا سجناً يحبسنا فيه؛ ولنجعل من المسؤولية خدمة، ومن المنصب أمانة، ومن السياسة وسيلة لصيانة حقوق الناس وخدمتهم.





