حرية
أزمة البنزين تعود إلى شوارع بغداد.. هرمز يخنق الإمدادات والوزارة تكشف خطة الطوارئ
عادت أزمة البنزين إلى شوارع بغداد وعدد من المحافظات، مع تشكل طوابير طويلة أمام محطات الوقود وإغلاق عشرات المحطات، فيما كشفت وزارة النفط أن اضطراب الملاحة البحرية الناجم عن التصعيد الإقليمي ومخاطر المرور عبر مضيق هرمز أدى إلى تأخر وصول شحنات البنزين المحسن المستورد إلى العراق.
وقال المتحدث باسم وزارة النفط، سليم الركابي، إن الاكتظاظ أمام محطات الوقود يعود أساساً إلى وجود فجوة بين كميات الإنتاج المحلي وحجم الاستهلاك، مبيناً أن الوزارة تعتمد على استيراد البنزين المحسن من الخارج لتعويض هذا النقص.
وأوضح الركابي أن الصراع الدائر في المنطقة تسبب بإشكالات لوجستية في حركة الناقلات البحرية، وأدى إلى تأخر وصولها إلى الموانئ العراقية، مشيراً إلى أن الوزارة تمكنت، في ظل الظروف الأمنية الصعبة في مضيق هرمز، من التعاقد مع ناقلة واحدة، إلا أن رحلة الناقلة من العراق إلى موانئ التحميل وعودتها تستغرق وقتاً انعكس بصورة مباشرة على إمدادات محطات الوقود.
وأشار إلى أن الوزارة وضعت خطة للاستعانة بأكثر من ناقلة في المرحلة المقبلة، بهدف منحها مساحة أكبر للمناورة في تأمين الاحتياجات اليومية من المشتقات النفطية، فضلاً عن تعزيز الخزين الاستراتيجي.
ودعا الركابي المواطنين إلى الاكتفاء بالتزود بحاجتهم الطبيعية من البنزين وعدم شراء كميات إضافية، محذراً من أن التزاحم على المحطات يؤدي إلى زيادة الضغط على منظومة التجهيز واتساع الطوابير.
كما نفى ارتباط نقص البنزين بما يجري تداوله من شائعات بشأن الإدارة الاقتصادية لقطاع التصفية والتوزيع، مؤكداً أن المصافي تعمل بصورة طبيعية، وأن الوزارة تتوقع تحسناً في تجهيز المحطات خلال الفترة القريبة المقبلة.
وتأتي هذه التطورات بعد نحو أسبوعين فقط من انفراج أزمة سابقة في تجهيز البنزين، ما أعاد المخاوف من تكرار أزمة الوقود بوتيرة متقاربة، خصوصاً مع استمرار الاضطرابات الإقليمية التي تؤثر في حركة النقل البحري وإمدادات الطاقة.
وتكشف الأزمة الحالية أن المشكلة لا ترتبط فقط بعملية توزيع الوقود داخل المدن، وإنما تبدأ من معادلة الإنتاج والاستهلاك وتنتهي عند قدرة العراق على تأمين وارداته من المشتقات النفطية عبر طرق بحرية أصبحت أكثر عرضة للمخاطر.
تحليل سياسي واقتصادي
تكمن خطورة الأزمة في أن العراق، رغم كونه دولة نفطية كبرى، لا يزال يواجه فجوة في إنتاج بعض المشتقات، الأمر الذي يجعله مضطراً إلى الاستيراد لتلبية الطلب المحلي. وهذه الفجوة تتحول إلى نقطة ضعف عندما تتعرض طرق النقل الدولية إلى اضطرابات.
ومضيق هرمز يمثل في هذه الحالة الحلقة الأكثر حساسية؛ فالمشكلة لا تبدأ داخل المصافي العراقية، وإنما يمكن أن تنتقل من اضطراب الملاحة إلى تأخر الناقلات، ثم إلى انخفاض المخزون، وصولاً إلى محطات الوقود والمستهلك العراقي.
واللافت أن وزارة النفط تتحدث هذه المرة عن زيادة عدد الناقلات وتعزيز الخزين الاستراتيجي، وهي خطوة تعكس محاولة للانتقال من معالجة النقص بعد حدوثه إلى بناء هامش أمان يسمح بالتعامل مع التأخيرات المحتملة في الإمدادات.
لكن استمرار الأزمات المتقاربة يطرح سؤالاً أكبر حول مدى قدرة منظومة الطاقة العراقية على الصمود أمام أزمات إقليمية طويلة. فكلما طال اضطراب الملاحة، ارتفعت أهمية امتلاك مخزون استراتيجي كافٍ، وتوسيع مصادر الاستيراد، وتسريع مشاريع التصفية المحلية التي يمكن أن تقلل اعتماد العراق على البنزين المستورد.
وكانت وزارة النفط قد أعلنت سابقاً أن مشروع التكسير بالعامل المساعد في مصفاة البصرة يمكن أن يضيف نحو 4 إلى 5 ملايين لتر من البنزين عالي الأوكتان يومياً، ما يجعله أحد المشاريع المهمة في تقليص فجوة الاستيراد مستقبلاً.
وبذلك، فإن طوابير البنزين الحالية ليست مجرد أزمة توزيع عابرة؛ بل اختبار مباشر لأمن الطاقة العراقي، يكشف أن أي اضطراب طويل في المنطقة يمكن أن ينتقل سريعاً من خطوط الملاحة إلى حياة المواطن اليومية، ما يجعل زيادة الإنتاج المحلي وتأمين مخزون استراتيجي حقيقي وتقليل الاعتماد على الاستيراد ملفات أمن قومي، وليست مجرد خطط اقتصادية.







