بقلم: أحمد الحمداني
ربما تكون أخطر أزمة يواجهها العراق اليوم ليست أزمة مال ولا سياسة ولا أمن بل أزمة وعي لأن الدولة التي تفقد وعي أبنائها يمكن اختراقها من الداخل مهما كانت حدودها محصنة ومؤسساتها قوية لقد أصبحنا بحاجة حقيقية إلى إعادة بناء الثقافة الوطنية وتعريفها من جديد بعد أن اختلطت الوطنية بالشعارات وتحولت عند البعض إلى وسيلة للمزايدة أو الشهرة أو الخصومة السياسية حتى ظهر مصطلح الوطنجية وكأن حب العراق تهمة أو مادة للسخرية لكن الوطنية ليست كلمة الوطنية موقف وسلوك وضمير و الثقافة الوطنية هي النزاهة لأن الوطني لا يسرق وطنه وهي خط الصد أمام العمالة لأن الوطني لا يبيع قراره وموقفه ومعلومات بلده للخارج وهي خط الصد أمام الحرام لأن من يؤمن بأن المال العام ملك لأبنائه وأبناء العراقيين لن يستبيحه وهي احترام القانون لأن الدولة لا تستطيع أن تضع شرطيا خلف كل مواطن لكن بإمكانها أن تبني وعيا يجعل داخل كل إنسان رقيبا اسمه الضمير وهي حماية السلام لأن من يحب العراق لا يحرقه من أجل خلاف سياسي ولا يمزق مجتمعه من أجل طائفة أو قومية أو حزب أو شخص حقيقتاً آلمني تسجيل صوتي متداول منسوب إلى أحد الإعلاميين الذين جرى اعتقالهم بسبب ملف ابتزاز وهو يتحدث عن العراق بعبارات لا أعتقد أن هذا البلد يستحقها من أي عراقي ولا أريد أن أحاكم شخصا من خلال تسجيل صوتي ولا أن أصدر حكما في قضية مكانها الطبيعي القضاء فالقضاء وحده هو صاحب الاختصاص في إثبات الوقائع وتحديد المسؤوليات لكن ما يستحق الوقوف عنده هو السؤال الأكبر كيف يمكن لإنسان أن يقدم نفسه مدافعاً عن الوطن ثم يصبح الوطن نفسه هدفا للسب والإهانة ومعها ضحكة وكانه يتمتع ويتفاخر بما يقوله هنا تحديداً يسقط القناع لأن الوطنية لا تختبر أمام الكاميرات ولا في المنشورات الوطنية.
يمكنك أن تسب أداء حكومة سياسياً وأن تنتقد مسؤولاً وأن ترفض قرارا وأن تعارض حزباً وأن تكشف فساداً وأن تطالب بإسقاط حكومة بالوسائل الدستورية والقانونية فهذا كله جزء من الحياة الديمقراطية لكن العراق ليس الحكومة العراق ليس رئيس الوزراء العراق ليس وزيراً العراق ليس حزباً ولا زعيماً ولا تياراً العراق أكبر من الجميع العراق هو ذلك الجندي الذي وقف على الحدود وهو الشهيد الذي لم يعد إلى أطفاله وهو الجريح الذي بقي يحمل آثار الحرب في جسده وهو الأم التي ودعت ابنها وهو العامل والفلاح والطبيب والمعلم والصحفي والمهندس والشرطي والموظف وكل إنسان شريف استيقظ صباحاً وعمل من أجل أسرته وبلده العراق هو ملايين العراقيين الذين لم يسرقوا ولم يخونوا ولم يبيعوا بلدهم رغم كل ما مر عليهم لهذا فإن إهانة العراق ليست بطولة ولا معارضة ولا حرية سياسية وإذا أردنا بناء دولة حقيقية فعلينا أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم الثقافة الوطنية لأن الثقافة الوطنية لا يوجد فيها شخص مقدس و لا زعيم مقدس و لا مسؤول مقدس ولا حزب مقدس بل هناك وطن يجب أن يصان و هناك دولة يجب أن تقوى و هناك قانون يجب أن يسود وهناك كرامة شعب يجب ألا تمس اما الأشخاص يأتون ويذهبون والمناصب تنتهي والحكومات تتغير والأحزاب تصعد وتتراجع لكن العراق يبقى ولهذا فإن أخطر ما فعلته عقود الصراع السياسي في العراق أنها جعلت البعض يربط الوطن بالأشخاص فإن أحب الحاكم أحب العراق وإن كره الحكومة كره العراق وإن اختلف مع النظام خاصم الدولة وهذا خلل عميق يجب أن ينتهي نحن بحاجة إلى جيل يؤمن بالعراق حتى عندما يعارض حكومته جيل يعرف أن المعارضة يمكن أن تكون وطنية وأن النقد يمكن أن يكون وطنياً وأن الاحتجاج يمكن أن يكون وطنياً لكن إضعاف الدولة لصالح الخارج ليس وطنية والفساد ليس وطنية والعمالة ليست وطنية والاعتداء على المال العام ليس وطنية ونحتاج إلى أن تبدأ هذه الثقافة من المدرسة أن يعرف الطفل لماذا يحترم العلم العراقي قبل أن نطلب منه رفعه وأن يعرف لماذا يحافظ على الممتلكات العامة وأن يتعلم أن العراق ليس ملكا للحكومة بل ملك له ولأبنائه من بعده ونحتاج إلى جامعة تصنع وعياً قبل أن تمنح شهادة وإلى إعلام يبني الدولة بدلاً من صناعة الأصنام وإلى سياسي يعرف أنه موظف في خدمة العراق وليس العراق موظفا في خدمة مشروعه وإلى مسؤول يفهم أن المنصب أمانة وليس غنيمة وإلى مواطن يعرف أن حقوقه لا تنفصل عن واجباته لكن علينا في المقابل ألا نضع المسؤولية كلها على المواطن فالدولة التي تريد مواطناً يؤمن بها يجب أن تؤمن هي أيضا بمواطنها و عليها أن تحمي كرامته وأن تطبق القانون على الجميع وأن تحارب الفساد وأن توفر العدالة وتكافؤ الفرص وأن تجعل العراقي يشعر بأن دولته تحميه لا أن يبحث عن حماية حزب أو عشيرة أو جهة خارجية فالثقافة الوطنية عقد أخلاقي بين المواطن والدولة فالدولة تحمي الإنسان والإنسان يحمي الدولة وهنا يبدأ الأمن الحقيقي فليس كل أمن تصنعه البندقية هناك أمن يصنعه الوعي وحين يمتلك الإنسان وعياً وطنياً يصبح هو نفسه خط الدفاع الأول عن العراق لن يسرق المال العام لأنه يعرف أنه يسرق أبناءه لن يعمل لمصلحة الخارج لأنه يعرف أنه يبيع سيادة بلده لن يعتدي على القانون لأنه يعرف أن انهيار القانون سيصل يوماً إلى بيته ولن يسمح لخصومته مع مسؤول أو حزب أو حكومة أن تتحول إلى كراهية للعراق اذاً نحن بحاجة إلى مشروع وطني لإعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء الكثير من الأشياء الأخرى مشروع لا يصنع وطنجياً مزيفا يصرخ باسم العراق أمام الناس وفي البث المباشر وفي التلفاز والكروبات ثم يهينه بل نريد مشروع يصنع مواطناً هادئاً راسخاً يعرف أن العراق ليس شعاراً (العراق مرجع والعراق هوية والعراق مسؤولية والعراق أمانة) يمكن أن نختلف على كل شيء تقريباً على الحكومة وعلى الاقتصاد وعلى السياسة الخارجية وعلى الأحزاب وعلى الانتخابات وعلى الأشخاص وعلى وعلى ……
لكن يجب أن تبقى هناك مساحة لا ندخل إليها بخصوماتنا اسمها العراق فوق هذه الأرض عاش آباؤنا ومن أجلها سقط شهداؤنا وعليها سيعيش أبناؤنا لذلك لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجتنا إلى إعادة صناعة الوعي فالإنسان الواعي هو أقوى مؤسسات الدولة والثقافة الوطنية هي خط الدفاع الأول والنزاهة ضميرها والقانون ميزانها والسيادة كرامتها أما العراق فيجب أن يبقى فوق الأشخاص والأحزاب والمصالح العراق لا يحتاج من يقدس الأشخاص باسمه بل يحتاج من يقدسه وطناً ويحميه فعلاً.








