حرية
الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة في قلب خطة التحديث العسكري
تتجه اليابان إلى تسجيل قفزة جديدة في إنفاقها الدفاعي، مع طلب وزارة الدفاع تخصيص 8.9 تريليون ين، أي نحو 55.6 مليار دولار، للسنة المالية المقبلة، في خطوة تعكس تسارع إعادة بناء القدرات العسكرية اليابانية في ظل بيئة أمنية تشهد توترات متزايدة في شرق آسيا.
وقد ترتفع الميزانية النهائية إلى نحو 10 تريليونات ين، بالتزامن مع توجه طوكيو إلى تحديث منظومتها الدفاعية وتسريع عملية اتخاذ القرار العسكري، مع التركيز بصورة متزايدة على التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى.
الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة القرار
ويتركز جانب مهم من طلب الميزانية على ما تصفه وزارة الدفاع اليابانية بالتعامل مع «أساليب الحرب الجديدة»، عبر إدخال تقنيات قادرة على تحليل المعلومات وتسريع الاستجابة للتهديدات.
وتعتزم الوزارة تطوير نظام لدعم القرار يعتمد على الذكاء الاصطناعي، بهدف مساعدة القيادات العسكرية على معالجة كميات كبيرة من البيانات وتقييم المواقف العملياتية بصورة أسرع.
ويمثل هذا التوجه تحولاً مهماً في طبيعة الاستثمار العسكري الياباني، إذ لم تعد زيادة الإنفاق تقتصر على شراء الأسلحة التقليدية، وإنما تمتد إلى بناء منظومات تعتمد على البيانات والأتمتة والقدرات غير المأهولة.
طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة
كما تتضمن الخطة شراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة يمكن استخدامها بصورة منسقة مع الصواريخ بعيدة المدى.
وتستهدف هذه المنظومة تعزيز قدرة اليابان على التعامل مع المعدات والقدرات العسكرية المعادية، مع تقليل كلفة العمليات مقارنة بالاعتماد الكامل على أنظمة التسليح التقليدية مرتفعة الثمن.
وتكشف هذه الخطوة عن توجه ياباني نحو بناء قدرات عسكرية أكثر مرونة، تجمع بين الاستطلاع والمراقبة والاستهداف والضربات بعيدة المدى ضمن منظومة مترابطة.
الصين وكوريا الشمالية وروسيا.. مثلث القلق
ويأتي طلب الميزانية في ظل تصاعد المخاوف اليابانية من البيئة الأمنية المحيطة بها.
فالتوسع العسكري الصيني، إلى جانب التطور المتواصل في القدرات الصاروخية والنووية لكوريا الشمالية، دفع طوكيو إلى إعادة تقييم احتياجاتها الدفاعية.
كما أضافت الحرب الروسية في أوكرانيا بعداً جديداً إلى الحسابات اليابانية، بعدما أثارت مخاوف من إمكانية اندلاع نزاع واسع النطاق في شرق آسيا، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الصينية على تايوان واستمرار النزاعات الإقليمية بين الصين واليابان.
وبالنسبة لطوكيو، لم تعد المخاطر الأمنية تُقاس فقط باحتمال وقوع هجوم مباشر، وإنما باتت تشمل الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والقدرات الفضائية.
اليابان تبتعد تدريجياً عن عقيدتها السلمية
وتحمل الزيادة الجديدة في الإنفاق الدفاعي دلالة سياسية تتجاوز الأرقام، إذ تأتي في إطار تحول تدريجي في السياسة الأمنية اليابانية بعد عقود من تبني موقف دفاعي شديد التحفظ.
فالدستور الياباني، ولا سيما المادة التاسعة، ارتبط تاريخياً بالتخلي عن الحرب كحق سيادي ورفض امتلاك قدرات هجومية تقليدية، إلا أن التطورات الأمنية المحيطة بالبلاد دفعت الحكومات اليابانية المتعاقبة إلى توسيع مفهوم الدفاع عن النفس وتطوير القدرات العسكرية.
واليوم، تبدو طوكيو أكثر استعداداً للاستثمار في الصواريخ بعيدة المدى والقدرات غير المأهولة والذكاء الاصطناعي، في محاولة لردع الخصوم قبل أن تصل التهديدات إلى الأراضي اليابانية.
سباق التكنولوجيا يعيد رسم القوة العسكرية
اللافت في الميزانية اليابانية الجديدة ليس حجم الإنفاق فقط، وإنما نوعية الأسلحة والتقنيات التي تتجه إليها.
فالذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى تعكس انتقالاً في مفهوم القوة العسكرية من كثافة الجنود والمعدات التقليدية إلى القدرة على جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار وتنفيذ الضربة خلال أقصر وقت ممكن.
وبذلك، لا تبدو اليابان أمام مجرد زيادة سنوية في ميزانية الدفاع، بل أمام عملية إعادة صياغة واسعة لمنظومتها العسكرية لتتناسب مع حروب المستقبل.
وقد يكون التطور الأهم أن طوكيو لم تعد تتعامل مع الأمن الإقليمي باعتباره ملفاً دفاعياً محدوداً، بل باعتباره سباقاً تكنولوجياً واستراتيجياً مع قوى كبرى تمتلك ترسانات صاروخية ونووية وقدرات عسكرية متنامية.
وفي ظل استمرار التوتر حول تايوان وتصاعد القدرات الصينية والكورية الشمالية، فإن ميزانية اليابان القياسية قد تكون مؤشراً جديداً على دخول شرق آسيا مرحلة من التسلح النوعي المتسارع، حيث يصبح التفوق في الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى عاملاً حاسماً في موازين الردع المقبلة.







