أحمد الحمداني
لا أفهم لماذا يتعامل بعضهم مع مشروع حصر السلاح بيد الدولة كأنه استهداف لطائفة أو مكوّن أو جهة سياسية مع أن القضية أوضح من كل محاولات التشويش فالدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع حماية مواطنيها ولا فرض القانون ولا الدفاع عن سيادتها ولا بناء مؤسسات تحظى بثقة العراقيين والعالم ان الدستور العراقي حظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة كما أن العمل السياسي لا يمكن أن يستقيم حين يمتلك طرف من الأطراف قوة مسلحة تمنحه نفوذًا يتجاوز أصوات الناخبين وسلطة القانون ولذلك فإن حصر السلاح ليس قرارًا ضد جهة محددة بل هو استحقاق دستوري ووطني يشمل الجميع بلا استثناء حيث القرار يجب أن يسري على الشيعة والسنة والكرد والتركمان والمسيحيين واليزيديين وسائر من يمتلك مجموعة مسلحة والمكونات فلا يجوز أن نطالب طرفًا بتسليم سلاحه ونبحث لطرف آخر عن الأعذار ولا يمكن بناء دولة بمكيالين أو سيادتين أو جيشين من يرفض تسليم السلاح عليه أن يوضح للعراقيين أسباب رفضه وهل يتعلق الأمر بعقيدة أم بمصالح شخصية أم بنفوذ سياسي واقتصادي تشكل في ظل وجود القوة المسلحة لأن السلاح لا ينبغي أن يكون مصدرًا للمكانة أو الثروة أو الحماية السياسية ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة للضغط على الحكومة أو القضاء أو المجتمع إذا كان حمل السلاح قائمًا على عقيدة دينية فإن مرجعية النجف الأشرف تمثل عنوانًا عراقيًا كبيرًا للحكمة والاعتدال وحماية الدولة وقد أكدت في مواقفها أهمية حصر السلاح و احترام مؤسسات وسيادة الدولة ومن غير المقبول استخدام الدين لتبرير وجود سلاح لا يخضع بصورة كاملة للقائد العام للقوات المسلحة وللقوانين والضوابط الرسمية أما الربط المستمر بين الفصائل وإيران فقد ألحق ضررًا بصورة العراق وأثار أسئلة بشأن استقلال القرار الوطني وفي الوقت نفسه صدرت عن طهران تصريحات تنفي ارتباطها المباشر بتلك الفصائل وإذا كانت إيران تعلن أنها غير مسؤولة عنها فإن السؤال يصبح أكثر وضوحًا وتحت سلطة من يعمل هذا السلاح ومن يقرر تحريكه ومن يتحمل مسؤولية نتائجه ، العراق ليس ساحة تابعة لأحد وليس ورقة في صراع إقليمي أو دولي العراق دولة لها تاريخها ومصالحها وشعبها وقرارها الوطني وأي علاقة مع إيران أو الولايات المتحدة أو تركيا أو الدول العربية يجب أن تكون علاقة بين دول تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لا على وجود جماعات مسلحة تتصرف خارج المؤسسات و نحن دولة اسمها العراق وشعبنا صاحب عمق حضاري متجذر وغالبيته عربية وفيه كرد وتركمان وقوميات أخرى تصنع بتنوعها صورة الوطن الجميل وفيه مسلمون ومسيحيون ويهود وإيزيديون وصابئة وأديان ومذاهب متعددة وهذا التنوع لا يحتاج إلى مخازن سلاح تحميه بل إلى دولة عادلة ودستور نافذ وقضاء مستقل وقوات نظامية تدافع عن الجميع فلا أمان للعراق مع تعدد مراكز القوة ولا استثمار مع صواريخ او مسيرات مجهولة المصدر ولا انتخابات عادلة في ظل وجود أجنحة مسلحة ولا سياسة حقيقية حين يجلس طرف إلى طاولة الحوار وخلفه قوة تستطيع فرض ما لم يحصل عليه عبر صناديق الاقتراع ان من حمل السلاح دفاعًا عن العراق في مواجهة الإرهاب قدّم تضحيات لا يمكن إنكارها لكن تكريم تلك التضحيات لا يعني بقاء السلاح خارج الإطار الرسمي إلى الأبد بل يكون بدمج المستحقين وفق القانون وحفظ حقوق المقاتلين وتسوية أوضاعهم وتحويل تجربة المواجهة إلى قوة تدعم الدولة بدل أن تنافسها ان تسليم السلاح لا ينتقص من كرامة أحد ولا يلغي تاريخ أحد ولا يعني التخلي عن مقاومة الإرهاب وإنما ينقل مسؤولية الدفاع إلى مكانها الطبيعي في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية الدستورية ويجعل قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيًا تتحمل الدولة مسؤوليته أمام الشعب ان حصر السلاح ليس مؤامرة على العراق بل هو الطريق إلى استعادة العراق ومن يربط قيمة البلاد ببقاء السلاح خارج مؤسساتها يقلب المعادلة لأن قيمة العراق ترتفع حين تكون حكومته صاحبة القرار وقواته المسلحة وحدها المسؤولة عن حماية حدوده وشعبه فالمطلوب اليوم قرار وطني شامل لا يستهدف طائفة ولا يجامل طائفة يبدأ بجرد السلاح ومنع المظاهر المسلحة وإغلاق المقرات غير القانونية وتجريم التمويل العسكري خارج الموازنة الرسمية وتطبيق القانون بالتساوي مع فتح مسارات قانونية عادلة للدمج والتسريح وإعادة التأهيل و على القوى السياسية أن تختار بين العمل الحزبي والعمل المسلح فلا يمكن لحزب أن يطلب أصوات المواطنين وهو يحتفظ بقوة عسكرية تمنحه امتيازًا على منافسيه ولا يمكن لمن يؤمن بالديمقراطية أن يحمل ورقة انتخابية في يد وسلاحًا في اليد الأخرى ان العراق أكبر من الأحزاب والفصائل والزعامات وأبقى من المصالح المؤقتة ولن يحمي الشيعي أو السني أو الكردي أو التركماني أو المسيحي أو اليهودي او الإيزيدي أو الصابئي سوى دولة قوية وعادلة تقف على المسافة نفسها من الجميع السلاح الذي لا يحمل رقم الدولة ولا يتحرك بأمرها ولا يخضع لقانونها ليس ضمانة للعراق بل تهديد لمستقبله واللحظة التي يصبح فيها الجميع تحت مظلة الدولة هي اللحظة التي يبدأ فيها الوطن باستعادة سيادته وأمنه وكرامته لا دولة مع دولتين ولا جيش مع جيشين ولا سيادة مع قرارين ولا مستقبل للعراق حتى يصبح السلاح كله بيد العراق.






