حرية
“الحلو لا يكتمل”.. مقولة تنطبق على تجربة سفر على متن إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية، خلال رحلة انطلقت من العاصمة بغداد باتجاه العاصمة الأردنية عمّان، يوم الجمعة الموافق 9 تشرين الأول 2026، عند الساعة الخامسة عصراً، إذ اجتمعت حداثة الطائرة وجودة الخدمات وروعة الضيافة مع مشاهد اتساخ واضحة في أجزاء من المقصورة الداخلية، لتطرح تساؤلات عن مستوى الاهتمام بالنظافة داخل طائرات الناقل الوطني.
ووثّق الصحفي العراقي ورئيس تحرير وكالة حرية الإخبارية، أحمد الحمداني، خلال رحلته على متن طائرة من طراز بوينغ 787-8 دريملاينر، ملاحظات تتعلق بنظافة الطائرة، مؤكداً أن الرحلة كانت تمتلك جميع مقومات التميز، لولا حالة الاتساخ التي ظهرت في أجزاء من المقصورة.
سقف الطائرة وجوانبها.. مشاهد لا تليق بطائرة حديثة
وبحسب الصور والمشاهدات التي وثقها الحمداني، فقد ظهرت آثار الأتربة والاتساخ على سقف الطائرة من الداخل وجوانب المقصورة، فضلاً عن ملاحظات تتعلق بنظافة النوافذ والمقاعد، وهي تفاصيل تترك انطباعاً سلبياً لدى المسافرين، خصوصاً عندما تكون الطائرة حديثة وتحمل اسم الخطوط الجوية العراقية.
ولا تتعلق هذه الملاحظات بمخلفات عابرة يتركها المسافرون، بل بحالة أجزاء داخلية من المقصورة تحتاج إلى عمليات تنظيف دوري وعميق، الأمر الذي يفتح باب التساؤل عن إجراءات الفحص والمتابعة والمسؤولية عن جاهزية الطائرة قبل استقبال الركاب.

ضيافة رائعة وطعام متميز وإنترنت ممتاز
وفي مقابل هذه الملاحظات، أشاد الحمداني بالمستوى المتميز الذي قدمه طاقم الضيافة الجوية، مؤكداً أن التعامل كان راقياً ومحترماً، وأن الطعام المقدم على متن الرحلة كان رائعاً، فضلاً عن خدمة الإنترنت التي وصفها بالممتازة.
وأشار إلى أن الخطوط الجوية العراقية حققت تطوراً واضحاً في مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين، وأن ملاكاتها تستحق التقدير لما تبذله من جهود في خدمة الركاب، خصوصاً في ظل التحديات التي واجهها قطاع الطيران العراقي خلال السنوات الماضية.

لكن المفارقة، بحسب الحمداني، تكمن في أن شركة قادرة على توفير طائرات حديثة وخدمات اتصال متطورة وضيافة بمستوى عالٍ، يفترض أن تكون قادرة أيضاً على ضمان نظافة مقصوراتها الداخلية.
“ما عندنا وقت”.. إجابة تثير الاستغراب
وخلال الرحلة، وجّه الحمداني سؤالاً إلى إحدى المضيفات عن سبب اتساخ الطائرة، ليتلقى، بحسب روايته، إجابة مختصرة مفادها: “ما عندنا وقت”.
ورغم الإشادة بحسن تعامل طاقم الضيافة طوال الرحلة، فإن هذه الإجابة أثارت استغرابه، إذ كان من الأفضل توضيح أسباب المشكلة أو الاعتذار عن حالة النظافة، بدلاً من تقديم تبرير قد يعكس وجود ضغط في الوقت المخصص لتجهيز الطائرة بين الرحلات.
ومع ذلك، فإن مسؤولية تنظيف سقف المقصورة وجوانبها لا تقع بالضرورة على عاتق المضيفين، وإنما ترتبط بإجراءات التنظيف الأرضي والصيانة الداخلية والإشراف الإداري والرقابة على الجهات المكلفة بهذه الأعمال.
نظافة الطائرات مسؤولية مؤسسية وليست تفصيلاً ثانوياً
إن نظافة الطائرات ليست مسألة تجميلية أو خدمة إضافية يمكن التغاضي عنها، بل تمثل أحد المعايير الأساسية لجودة تجربة السفر، وترتبط براحة الركاب والصحة العامة والانطباع الذي تتركه شركة الطيران لدى المسافرين.
فالمقصورات الداخلية، بما فيها الأسقف والجوانب والنوافذ والمقاعد والطاولات، تحتاج إلى برامج تنظيف منتظمة، تتضمن التنظيف السريع بين الرحلات والتنظيف العميق وفق جداول واضحة.
كما أن جودة النظافة تعكس كفاءة الإدارة والرقابة والالتزام بمعايير الخدمة، ولا تقل أهمية عن جودة الطعام أو حداثة الطائرة أو مستوى الضيافة.

ولا تعني الملاحظات المتعلقة بنظافة المقصورة وجود خلل في السلامة الفنية للطائرة، لكنها تكشف جانباً خدمياً يستحق المعالجة.
الخطوط الجوية العراقية.. واجهة وطنية وسمعة بلد
إن الخطوط الجوية العراقية لا تمثل شركة نقل جوي فحسب، بل تحمل اسم العراق وعلمه إلى مختلف المطارات، وتعد واحدة من الواجهات التي تقدم صورة عن البلد أمام العالم.
ومن هنا، فإن أي تقصير في مستوى النظافة لا ينعكس على تجربة المسافر وحدها، وإنما قد يؤثر في الانطباع عن الناقل الوطني، خصوصاً لدى الزائر الأجنبي الذي قد تكون رحلته على متن الطائرة العراقية واحدة من أولى تجاربه المرتبطة بالعراق.
ولعل ما يثير الاستغراب أن معالجة مشكلة النظافة لا تتطلب استثمارات مالية بحجم شراء طائرات جديدة أو تطوير أنظمة الملاحة، بل تحتاج إلى متابعة إدارية جدية، وبرامج تنظيف دقيقة، ورقابة على التنفيذ، ومحاسبة الجهات المقصرة عند ثبوت الإهمال.
رسالة مفتوحة إلى وزير النقل وإدارة الخطوط الجوية العراقية
وتمثل هذه المشاهدات رسالة مفتوحة إلى وزير النقل وإدارة شركة الخطوط الجوية العراقية، تدعو إلى مراجعة آليات تنظيف الطائرات، ولا سيما المقصورات الداخلية والأسقف والجوانب، والتأكد من الالتزام بإجراءات الفحص قبل الإقلاع.
كما تطرح تساؤلات عن الوقت المخصص لتنظيف الطائرات بين الرحلات، ومدى كفايته، وآليات الإشراف على فرق التنظيف، وما إذا كانت هناك متابعة دورية تضمن المحافظة على المستوى المطلوب من النظافة.
فإذا كان ضيق الوقت هو السبب الحقيقي وراء هذه الحالة، فإن الأمر يستدعي مراجعة إجراءات التشغيل وتوزيع المسؤوليات، وليس الاكتفاء باعتبار المشكلة ملاحظة فردية.
وفي الوقت الذي تعمل فيه الخطوط الجوية العراقية على تطوير أسطولها وخدماتها، وتواجه تحديات أكبر تتعلق بتعزيز حضورها الدولي ومعالجة ملف القيود الأوروبية المفروضة على الناقل، فإن معالجة ملاحظات النظافة تبدو من الملفات التي يمكن تحسينها بإجراءات إدارية ورقابية مباشرة.

النقد من أجل الإصلاح.. حتى يكتمل الحلو
إن ما وثقه الصحفي أحمد الحمداني لا يهدف إلى التقليل من جهود الخطوط الجوية العراقية أو العاملين فيها، بل يأتي من الحرص على سمعة الناقل الوطني، والإيمان بأن الشركة تستحق أن تكون بمستوى أفضل يليق بتاريخها ومكانة العراق.
فالإنصاف يقتضي الإشادة بطاقم الضيافة الرائع، وجودة الطعام، وخدمة الإنترنت الممتازة، وحداثة الطائرة، لكنه يقتضي أيضاً الإشارة إلى أوجه القصور التي يمكن معالجتها.
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف تستطيع الخطوط الجوية العراقية أن تقدم كل هذه الخدمات المتميزة، لكنها لا تستطيع ضمان نظافة سقف الطائرة وجوانبها قبل صعود المسافرين؟
إن معالجة هذه الملاحظات لا تحتاج إلى لجان مطولة أو اجتماعات معقدة، بقدر ما تحتاج إلى قرار إداري واضح، ومتابعة ميدانية حقيقية، وإدراك أن نظافة الطائرة جزء من احترام المسافر وصورة العراق.
فالخطوط الجوية العراقية تستحق أن تكون مصدر فخر لكل عراقي، وأن تكتمل صورة طائراتها الحديثة بضيافة راقية وخدمات ممتازة ونظافة تليق باسم العراق.
وحينها فقط يمكن أن نودع مقولة “الحلو لا يكتمل”، ونقول إن الخطوط الجوية العراقية نجحت في تقديم تجربة سفر متكاملة تستحق الإشادة.







